يحلل المقال تطور صورة "الآخر" في السرد الأردني من العزلة الدفاعية إلى الانفتاح الندّي، مؤكداً على أصالة الهوية الوطنية كجسر حضاري للتفاعل الإنساني.

صورة " الآخر " في السرد الأردني : جدلية الانغلاق والانفتاح الثقافي

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تعد دراسة " صورة الآخر " في المدونة السردية الأردنية مدخلاً جوهرياً لفهم التحولات البنيوية في الشخصية الوطنية . ولكن ، وقبل الخوض في تحليل تمثيلات هذا المفهوم في أدبنا ، يفرض علينا المنهج العلمي أن نفكك فلسفياً واجتماعياً ماهية " الآخر " ، فمن هو هذا الكائن الذي يقطن في نصوصنا ؟

​أولاً : في ماهية " الآخر " ومفهومه :

​إن " الآخر " ليس مجرد شخص أو كيان يقف في الجهة المقابلة من الضفة ، بل هو مفهوم مركزي في الفلسفة وعلم الاجتماع يتجاوز الحضور المادي . " الآخر " هو كل ما يقع خارج دائرة " الأنا " الذات ، وهو الضد المعرفي أو الثقافي الذي تدرك الذات وجودها من خلاله . إن العلاقة بين الأنا والآخر علاقة جدلية تكاملية ، حيث لا يمكن أن توجد الأنا بدون الآخر ، فهما يتفاعلان سلباً أو إيجاباً ، وغالباً ما يُنظر إلى الآخر بصفته عدواً يشكل تهديداً للهوية ، مما يجعل السرد رحلة بحث عن التوازن .

​يمكننا تحديد أبعاد " الآخر " في ثلاثة مستويات متداخلة :

1 ) الآخر الغريب / الخارجي : وهو الطرف الذي يختلف عنا في اللغة ، أو الدين ، أو الثقافة ، أو الجغرافيا . هذا النوع هو الأكثر حضوراً في السرد الاستعماري ، حيث يُنظر إليه بوصفه " المغاير " الذي يتطلب منا بناء موقف تجاهه .

2 ) الآخر الداخلي : وهو الأكثر تعقيداً في السرد ، ويتمثل في " الآخر " الذي يشاركنا الوطن والهوية ، ولكنه يختلف عنا في الانتماء الأيديولوجي ، أو الطبقي ، أو الموقف من التحديث . هنا ، تصبح " الأنا " مقسمة ، ويصبح " الآخر " ابن المجتمع الذي يتبنى رؤية مختلفة للعالم .

3 ) الآخر الرمزي / الذات المفقودة : أحياناً يكون الآخر هو " أنا " في زمن آخر ، أو " أنا " التي نطمح للوصول إليها . هو الآخر الذي يسكن وعينا الباطن ، مما يجعل السرد رحلة بحث عن الذات في مرآة ذلك الغريب .

​ثانياً : صدمة التماس والتمترس خلف " الأنا " :

​في المراحل الأولى من نشوء السرد الأردني ، كان " الآخر " يُنظر إليه من خلال عدسة " الريب " والترقب . كانت الذات الساردة تبحث عن تثبيت أقدامها في أرض تتسم بالبنية العشائرية والريفية المحافظة . في هذه المرحلة ، اتخذ الانغلاق طابع " فعل المقاومة الرمزية " ، حيث صُوّر الآخر ( خاصة المستعمر أو الغريب ) بوصفه قوة هادمة للمنظومة الأخلاقية والاجتماعية . لقد كان السرد حينها قلعة دفاعية ، تُعلي من قيمة " الأصالة " والروابط القرابية ، وتجعل من الانفتاح على الآخر مغامرة قد تؤدي إلى تفتت الهوية .

​ثالثاً : الآخر الداخلي وتحولات الهوية :

​مع تسارع وتيرة التحديث والانتقال من الريف إلى المدينة ، تعقدت صورة " الآخر " في الرواية الأردنية . لم يعد الآخر كائناً خارجياً قادماً عبر الحدود ، بل أصبح " داخلياً " ، تمثل في صراع الأجيال ، وفي ثنائية المركز / الطرف ، وفي صراع القيم بين التمسك بالموروث والانبهار بالحداثة . هنا ، بدأ السرد يبتعد عن الأحكام القاطعة ، وأصبحت الشخصية الساردة تمارس نوعاً من " التشريح الذاتي " ، حيث لم يعد الآخر هو الشيطان ، بل مرآة تكشف عيوب الأنا وتناقضاتها .

​رابعاً : بين الانغلاق المقاوم والانفتاح العولمي :

​إن السرد الأردني المعاصر يقف اليوم على مفترق طرق . فبينما يميل بعض الكتاب إلى " الركون للماضي " كنوع من الاحتماء من عواصف العولمة ( انغلاق كخيار وجودي ) ، يندفع آخرون نحو تجريب سردي يتجاوز الحدود الوطنية ليخاطب " الإنسان " في كل مكان ( انفتاح كخيار إبداعي ) .

​1 ) الانغلاق : في بعض النصوص ، يُقدس الانغلاق بوصفه " هوية ثابتة " في وجه التغيير السريع الذي قد يمسخ ملامح المجتمع . هنا ، يصبح السرد وثيقة أنثروبولوجية تحاول تجميد لحظة زمنية معينة .

2 ) الانفتاح : وفي نصوص أخرى ، يُنظر للانفتاح كـ " ضرورة تاريخية " . حيث تُقدم الشخصية الأردنية بوصفها جزءاً من النسيج الإنساني الكبير ، شخصية قادرة على الحوار والاشتباك المعرفي دون أن تفقد جذورها .

​خامساً : نحو رؤية تركيبية :

​إن التحدي الذي يواجه السرد الأردني اليوم ليس في اختيار أحد المسارين ، بل في إيجاد " توليفة " تمنح الشخصية الأردنية خصوصيتها دون عزلها عن حركية التاريخ العالمي . إننا أمام ضرورة تبني " السردية التاريخية الأردنية " التي لا تقتصر على الحقبة الحديثة فحسب ، بل تمتد لألوف السنين ، موثقةً إنجازات أبناء التراب الأردني ، تلك التضحيات التي خاضوا من خلالها معارك الكرامة وصانوا بها هوية الوطن أمام محاولات الطمس . إن الصورة الناضجة للآخر في أدبنا يجب أن تكون مبنية على " الندّية " ، حيث يكتب الروائي الأردني " الآخر " كشريك في صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى ، مستنداً إلى جذر حضاري عميق لا يخشى الانفتاح ، لأنها تمتلك من الأصالة ما يكفي للثبات ، ولا تغرق في الانغلاق لأنها تدرك أن الهوية جسر يمتد باتجاه الآخر ليتحاور معه على قدم المساواة .

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) إدوارد سعيد ، الاستشراق : المعرفة ، السلطة ، الإنشاء .

2 ) عبد الله الغذامي ، النقد الثقافي : قراءة في الأنساق الثقافية العربية .

3 ) إبراهيم السعافين ، تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام .

4 ) زياد أبو لبن ، الرواية الأردنية في ميزان النقد .

5 ) محمد الداهي ، صورة الأنا والآخر في السرد .

6 ) أشرف الضباعين ، السردية التاريخية الأردنية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) إدوارد سعيد ، الاستشراق : المعرفة ، السلطة ، الإنشاء .
  3. 2 ) عبد الله الغذامي ، النقد الثقافي : قراءة في الأنساق الثقافية العربية .
  4. 3 ) إبراهيم السعافين ، تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام .
  5. 4 ) زياد أبو لبن ، الرواية الأردنية في ميزان النقد .
  6. 5 ) محمد الداهي ، صورة الأنا والآخر في السرد .
  7. 6 ) أشرف الضباعين ، السردية التاريخية الأردنية .