يُجسّد إقليم حوران عمق الجغرافيا الشامية المتكاملة عبر الحدود وثرائها الحضاري والتاريخي والعشائري المتمتد ، بوصفه سلة قمح المشرق ، وميدان معاركه وثوراته الفاصلة ، وشاهدًا أزليًا على أصالة إنسانه وتلاحم ربوعه .

سراج المشرق وبوابة الزمان : حوران .. جغرافيا الذاكرة وبوصلة التاريخ

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تظل الجغرافيا ، بصخورها وأرضها المعطاءة ، المسرح الحقيقي الذي صاغ هويات الشعوب ووجّه إيقاع حضاراتها . وحين يُقرأ تاريخ المشرق العربي من بوابة مكانه الصلب ، تبرز هضبة حوران في قلب بلاد الشام كواحدة من أكثر الأقاليم استثنائية في صناعة القيادة ، وتجسيد صمود الإنسان ، والارتباط الدائم بحركة التاريخ الإنساني .

​إقليم حوران .. الحدود والتسميات :

​تُعتبر حوران إقليماً جغرافياً وتاريخياً عريقاً يمتد في الجزء الجنوبي من بلاد الشام ، وشكل عبر العصور نقطة وصل حيوية بين الحواضر الكبرى والبوادي .

​حدود هذه المنطقة :

​الحدود التاريخية الشاملة : امتدت حوران تاريخياً لتشمل منطقة الجيدور ، واللجاه ، والمنطقة الجنوبية المسماة بثنية ، والجولان ، وجبل العرب ( جبل حوران قديماً ) ، وصولاً في حدودها الجنوبية والجنوبية الغربية إلى جبل جلعاد ومرتفعات عجلون وأراضي المفرق وباديتها في شمال الأردن .

​الحدود الجغرافية الإقليمية الحالية :

​شمالاً : يحده مرج دمشق وغوطتها وجبل الشيخ .

​جنوباً : يمتد ليشمل سهول شمال الأردن ( الممتدة من الرمثا وإربد والشرق حتى بلدة حوارة وبادية المفرق وأم الجمال ) .

​شرقاً : يحده جبل العرب والصفاة والبادية ( الحرّة البازلتية ) .

​غرباً : ينتهي عند مرتفعات الجولان ووادي اليرموك وغور الأردن وتخوم فلسطين الشمالية الشرقية .

​الأسماء التي أطلقت على هذه المنطقة :

عُرفت حوران عبر العصور التاريخية المختلفة بالعديد من الأسماء والدلالات التي وثقتها السجلات القديمة :

​أورانيتس : التسمية الكلاسيكية المعتمدة في العصور اليونانية والرومانية .

​بلاد باشان : التسمية الواردة في النصوص التوراتية والقديمة .

​جورانو : التسمية الآشورية التي تعني المنطقة المجوّفة ( وهي الأقرب لواقع التسمية المحلية ( النقرة ) التي تطلق على سهل حوران ) .

​بلد الكهوف : لكثرة الكهوف والمغاور والأبنية الباطنية والمدن الصخرية المحفورة فيها .

​البلد الأسود : لسيادة الصخر البازلتي البركاني الأسود في جغرافيتها ومعمارها .

​البلد الأبيض : لغطاء الثلج الذي كان وما زال يكلل أعلى قممها وجبالها شتاءً .

​أرض العمالقة : نسبة لسكنى الأقوام القديمة والعمالقة فيها قبل الغزو الكنعاني .

​المسطحات المائية والأنهار والينابيع والسدود الكبرى في إقليم حوران :

​على الرغم من الطبيعة السهلية والبركانية للإقليم ، إلا أنه غني بالمياه الجوفية والينابيع والأنهار والمسطحات المائية التي صنعت عصب حياته الزراعية :

​أنهار الإقليم وشرايينه المائية :

​نهر اليرموك : الشريان المائي الأهم وأكبر روافد نهر الأردن ، يحد المنطقة غرباً ويجري في وادٍ عميق صخرُه بازلتي ، وشكل عبر التاريخ الحد الفاصل والجامع بين حوران الأردن وحوران سوريا وفلسطين .

​الأودية والسيول الجارية : مثل وادي الزيدي ، وادي الشلالة ، وادي الرقاد ، ووادي العرب ، وهي أودية سيلية دائمة وموسمية تسقي السهول الزراعية الخصبة .

​البحيرات والينابيع الطبيعية التاريخية :

​بحيرة وينابيع المزيريب : من أهم المعالم المائية في قلب سهل حوران ، وتشتهر بمياهها العذبة الغزيرة وطواحينها المائية القديمة .

​شلالات تل شهاب : منتجع طبيعي ومائي فريد على حافة وادي اليرموك ، تتميز بمياهها المنحدرة وطواحينها الرومانية والعثمانية التاريخية .

​سد الوحدة والمشاريع المائية الكبرى في الوقت الحالي :

​سد الوحدة ( سد المجامع سابقاً ) : يُعد أبرز وأضخم مشروع مائي واستراتيجي حالي أقيم على مجرى نهر اليرموك على الحدود بين سوريا والأردن . ويهدف المشروع إلى تخزين وتأمين ملايين الأمتار المكعبة من المياه الحيوية لأغراض الشرب والري الزراعي في مناطق الشمال الأردني والسهول المحيطة ، مساهماً في دعم الأمن المائي للإقليم .

​البرك والسدود التاريخية الرومانية والبيزنطية : شبكة واسعة من البرك الحجرية العملاقة المحفورة في البازلت ( مثل بركة بصرى وبرك أم الجمال والبرك الممتدة في القرى الحورانية ) والسدود الترابية التاريخية التي شُيِّدت لحفظ وتخزين مياه الأمطار للاستهلاك البشري والري .

​الحضارات المتعاقبة والآثار الخالدة عبر العصور :

​شهدت حوران تعاقباً حضارياً فريداً ومتواصلاً ترك بصمات معمارية وأثرية مذهلة منذ فجر التاريخ وحتى العصور الإسلامية المتعاقبة :

​حضارات ما قبل الإسلام ( العصور القديمة ، النبطية ، الرومانية ، والبيزنطية ) :

​تعاقبت على حوران حضارات عديدة منذ العصر البرونزي الأول ( 2800 ق . م ) ؛ فعاش فيها العموريون والكنعانيون والآراميون ، ثم الأنباط الذين جعلوا من بصرى وأم الجمال مراكز وعقد تجارية عالمية مذهلة ونحتوا وبنوا بالبازلت ، تلاهم الإغريق والرومان الذين جعلوا من حوران ( الولاية العربية ) وعاصمتها بصرى قلباً اقتصادياً وإدارياً منيعاً ، ثم البيزنطيون .

​دولة العرب الغساسنة : نشأت وامتدت لفترات طويلة على أرض هذا الإقليم بوصفهم حلفاء لبيزنطة ، واتخذت من حوران وتخومها حاضرة لملكهم وعمرانهم وثقافتهم العربية المسيحية الأصيلة .

​الحضارات والعصور الإسلامية المتعاقبة :

​الفتح الإسلامي والعصر الأموي : دخلت حوران في رحاب الإسلام إثر الفتح الإسلامي المبارك ومعركة اليرموك ( 636 م ) ، لتصبح جزءاً أساسياً ومقرباً من حاضرة الدولة الأموية في دمشق ، وتنتشر فيها المساجد العمرية والخانات ومحطات الحج الشامي .

​العصر العباسي : استمرت حوران خزاناً زراعيًا ومروراً لطرق التجارة والقوافل ، وشهدت استقرار عائلات وعشائر جديدة وإسهامات علمية بارزة لأعلامها ( مثل الإمام النووي في نوى ) .

​العصران الأيوبي والمملوكي : حظيت حوران باهتمام استراتيجي كبير نظراً لموقعها العسكري المدافع عن قلب الشام في وجه الفرنجة والصلبيين ؛ فشُيِّدت القلاع وحصّنت الأسوار ( مثل توسعة قلعة بصرى وترميم القلاع الحورانية ) ، وأُنشئت المدارس والحمامات والخانات لتأمين طريق القوافل والحج .

​العصر العثماني : أصبحت حوران مقسمة إلى نواحٍ تابعة لدمشق الشام ، وشهدت نظام المقاسمة الزراعية ودور العشائر الحورانية في حماية طريق الحج الشامي ( صرة الحج ) مقابل تنظيم العلاقات التعاقدية مع الدولة ، وصولاً إلى الحملات الإدارية والعسكرية المتأخرة .

​الأديان والنسيج البشري والعشائري في إقليم حوران :

​الديانات عبر العصور :

​الديانات الوثنية القديمة : تمثلت بعبادة الآلهة الطبيعية والمحلية في العصور الكلاسيكية والنبطية والرومانية المبكرة ( مثل عبادة الإلهة ( تيكه ) في معبد الصنمين ، والمعابد الوثنية التي شُيِّدت فيها المدن القديمة قبل أن تتحول لاحقاً ) .

​الديانة المسيحية : احتلت حوران مكانة مسيحية مبكرة وعميقة الضرب في الجذور ، وتحولت إلى مركز كنسي وأسقفي بارز ( مثل أبرشيات بصرى وإزراع ) ، وشهدت تفاعلاً فريداً بين العروبة والمسيحية تجسد في حضور الغساسنة وعمارة الكنائس البازلتية الكبرى ( كنيسة القديس جورجيوس في إزراع عام 514 م ) .

​الديانة الإسلامية : دخلت حوران مع الفتح الإسلامي عام 634 م ومعركة اليرموك ( 636 م ) ، لتصبح جزءاً أصيلاً من العالم الإسلامي وحضارته ، وتنتشر فيها المسارح والمساجد العمرية العريقة ، مع استمرار العيش المشترك والتناغم الحضاري بين أبناء الديانات على ترابها .

​العشائر والعائلات والأنماط السكانية :

​يزخر إقليم حوران بشبكة واسعة وعريقة من العشائر العربية الأصيلة ؛ فمنها عشائر متجذرة في أرضها منذ أقدم العصور ، ومنها عشائر أخرى وفدت إلى الإقليم فيما بعد فطاب لها العيش فيه واستقرت بين ربوعه ، لتشكل معاً نسيجاً بشرياً متلاحماً ومتضامناً .

​سكان الحضر والمدن الرئيسية : استوطنوا الحواضر التاريخية الكبرى مثل بصرى ، وأم الجمال ، ودرعا ، وإزراع ، والصنمين ، ومارسوا التجارة ، والحرف ، والصناعات اليدوية ، وإدارة شؤون الإقليم السياسية والإدارية والكنسية .

​الفلاحون وسكان القرى والسهول : وهم الكتلة البشرية الأساسية التي استقرت في سهول ( النقرة ) وسهول شمال الأردن والقرى الزراعية ، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالأرض والتربة البركانية ، واشتهرت بإنتاج القمح الحوراني وتحويل الإقليم إلى ( إهراءات روما ) وخزان استراتيجي للغذاء .

​القبائل البدوية وسكان الأطراف : سكنت القبائل العربية البادية والمناطق المتاخمة للصحراء والحرّة البازلتية على أطراف الإقليم في سوريا والأردن ، وشكلت صلة وصل حيوية وحماية لطرق التجارة وقوافل الحج الشامي عبر تعاقدات تاريخية مع السلطات والقرى المجاورة .

​العرقيات والمكونات الاجتماعية المتنوعة : ضم الإقليم عبر تاريخه الطويل عرقياً ومجتمعياً العربَ بمسلميهم ومسيحييهم بوصفهم المكون الأساسي الأصيل ، إلى جانب هجرات ونزوح تاريخية منظمة ( مثل الجماعات الدرزية التي استوطنت مرتفعات حوران الشرقية وجبل العرب منذ أواخر القرن السابع عشر وتفاعلوا مع النسيج المحلي ) ، مما أنتج لوحة فسيفسائية فريدة من التنوع والتكامل الاجتماعي .

​شرف الزيارة النبوية الشريفة :

​حظيت أرض حوران المباركة بشرف عظيم ومكانة روحية رفيعة باطنة في السيرة العطرة ، إذ وطأتها قدم أعظم شخصية في البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مناسبتين مباركتين عبر رحلات التجارة والرحاب المشرقية :

​الرحلة الأولى مع عمه أبو طالب : عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً يافعاً في قافلة قريش التجارية رفقة عمه أبو طالب متوجهين إلى بلاد الشام ، حيث وصلت القافلة إلى بصرى الشام ، وهناك جرت حادثة الراهب ( بحيرا ) الذي تعرف على علامات النبوة الخاتمة في الصبي محمد صلى الله عليه وسلم وحذر عمه منه .

​الرحلة الثانية في تجارة السيدة خديجة رضي الله عنها : عندما عاد صلى الله عليه وسلم في شبابه ليقود تجارة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى بلاد الشام يرافقه غلامها ( ميسرة ) ، وحقق في هذه الرحلة نجاحاً تجارياً مبهراً وأمانة نادرة شهد بها ميسرة ، لتكون حوران بذلك شاهدةً على طلائع النبوة والبشارة المحمدية قبل البعثة الشريفة .

​آثار وأشهر مدن حوران ومدن الديكابوليس :

​تزخر حوران بإرث حضاري ومعماري بازلتي فريد ، وتضم مدناً عريقة لعبت أدواراً تاريخية كبرى ، من بينها جوهرة البازلت أم الجمال وعاصمة الإقليم بصرى الشام ، إلى جانب مدن حلف الديكابوليس الشهير :

​أشهر مدن حوران وآثارها البارزة :

​بصرى الشام ( في العمق السوري لحوران ) : عاصمة الإقليم التاريخية وعقدة طرق التجارة ( بوصورا النبطية وإسكي شام ) . تزخر بالآثار المذهلة كباب الهوى ، قوس النصر ، سرير بنت الملك ، دير الراهب بحيرا ، جامع مبرك الناقة ، المسجد العمري ، المدرج الروماني الضخم الذي يتسع لـ 15 ألف متفرج ، والقلعة الحصينة .

​أم الجمال ( درة حوران في البادية الأردنية ) : مدينة تاريخية بازلتية فريدة تمتد جذورها عبر العصور النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة ، وتُعد نموذجاً هندسياً ومعمارياً مذهلاً في استخدام الحجر الأسود وبناء الكنائس والخزانات والمساكن المخدومة بنظم مائية متقدمة .

​درعا : مركز المحافظة الواقعة جنوب دمشق ، يعود تاريخها إلى 2100 ق . م ( وردت في الهيروغليفية — ( أتاراعا ) — وفي التوراة — ( أدريعي ) — وعند العرب — ( أذرعات ) — ) . تضم الكهوف القديمة ، والمدرج الروماني ، والحمامات ، والمسجد العمري القديم ، والكنائس الأثرية .

​إزراع : تشتهر بكنيسة القديس جاورجيوس ( كنيسة الخضر ) المشيدة عام 514 م فوق معبد وثني ، وتعد تحفة معمارية في انتقال عمارة الكنائس إلى القبة الحجرية ذات القاعدة المثمنة .

​الصنمين : تضم معبداً روماني وثنياً فريداً يعود لعام 191 م مُزايناً بأروع الزخارف المنحوتة بحجر البازلت تكريماً للإلهة ( تيكه ) .

​مدن الديكابوليس الواقعة فيها ( أو في تخومها المباشرة ) :

ضم حلف الديكابوليس ( اتحاد المدن العشر الرومانية الهلنستية ) عدداً من حواضر حوران وتخومها لتأمين التجارة وحماية الحدود ، وأبرزها :

​بصرى ( Bostra ) : إحدى أهم مدن الحلف وعاصمته ، وتميزت بطابعها النبطي الروماني المتكامل .

​دراسا / أذرعات ( Edrei / Daraa ) : التي انضمت وشكلت جزءاً من الشبكة الحضرية للتجارة الدفاعية .

​مدن أخرى على أطراف الإقليم وتتداخل معه : مثل جدارا ( أم قيس ) و ابيلا ( قويلبة ) الواقعتين على حواف حوران الجنوبية ووادي اليرموك في الأردن ، والتي مثلت حلقة وصل حضارية واقتصادية وثيقة بين سهول حوران وحوض اليرموك .

​حوران .. معمل القيادات وسلة قمح الحضارات :

​في تاريخ بلاد الشام ، نادرًا ما ارتبط إقليم واحد بإنتاج القيادة والفكرة والتمرّد كما ارتبطت حوران . فهذه الهضبة الجنوبية ، التي عُرفت غالبًا بوصفها ( إهراءات روما ) وسلة قمح دمشق لخصوبة تربتها البركانية واشتهارها بالقمح الحوراني الأصيل ، كانت في العمق معملاً دائمًا للشخصيات العامة والنخب :

​من ملوك الغساسنة ( كالحارث بن جبلة ) ذروة الحكم العربي المحلي في العصر البيزنطي وعاصمتهم التي ارتبطت بفضائها الحوراني .

​إلى الأنباط ( كالحارث الرابع ) الذين امتد نفوذهم التجاري والمعماري في ربوع حوران وجعلوا بصرى أم الجمال عقد تجارة عالمية .

​مرورًا بأبي تمام الذي حمل اسم قرية حورانية إلى قلب الشعر العربي الكلاسيكي .

​والإمام النووي ابن بلدة نوى ، الذي مثل رمزاً للعلم والصلابة في الحق والدفاع عن مظلومي الشام أمام السلطة .

​وصولًا إلى سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ، وشبلي العيسمي أحد أبرز منظّري القومية العربية .

​التحولات السكانية والعقد الاجتماعي بين السهل والجبل :

​بعد الفتح الإسلامي عام 634 م ، حافظت حوران على دورها كخزان زراعي وممر رئيسي لطريق الحج الشامي ، ونشأت علاقة تعاقدية بين السلطة والعشائر المحلية لحماية القوافل . وتشير سجلات الطابو العثمانية المبكرة إلى كثافة سكانية واستقرار لعشائر عربية مسلمة ومسيحية أصيلة .

وفي أواخر القرن السابع عشر ، شهدت مرتفعات حوران الشرقية نزوحاً دفاعياً منظماً لجماعات درزية من جبل لبنان ووادي التيم بحثاً عن الحماية والاستقلال العرفي ، برزت منها عائلات قيادية كآل حمدان وآل الأطرش ، لينشأ بين السهل الزراعي وجبل العرب ديناميكية تكامل ونزاع أسهمت في صياغة الشخصية النضالية للإقليم .

​المعارك الكبرى والثورات التاريخية في إقليم حوران :

​شهدت أرض حوران عبر العصور محطات عسكرية ومواجهات كبرى ، تمثلت في المعارك الفاصلة والثورات الباسلة ضد الظلم والاستعمار :

​معركة اليرموك الفاصلة ( 636 م ) : المعركة العسكرية الكبرى التي جرت على ضفاف نهر اليرموك وتخوم حوران الغربية بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية ، والتي أسفرت عن انهيار النفوذ البيزنطي وفتح بلاد الشام لتصبح حوران خزاناً استراتيجياً وروحياً للدولة الإسلامية الناشئة .

​معركة ميسلون ( تموز 1920 م ) وتداعياتها : المعركة التاريخية الفاصلة التي خاضتها طلائع الجيش العربي السوري دفاعاً عن دمشق والكيان العربي الناشئ بقيادة الملك فيصل بن حسين ، والتي أسفرت عن استشهاد وزير الحربية البطل يوسف العظمة مع ثلة من الأحرار ، وعلى أثرها سقطت دمشق وخضعت سوريا ولبنان للاستعمار الفرنسي وزالت الحكومة العربية الفتية .

​الثورات ضد المستعمر وثورة جبل العرب ( الثورة السورية الكبرى 1925 م ) : كانت حوران وقلعتها جبل العرب المعقل الأحصن والشرارة الكبرى في مقارعة الاستعمار الفرنسي ؛ حيث قاد المجاهد الكبير سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى انطلاقاً من جبل حوران ، مسطراً ملاحم بطولية فذة في معارك الكرامة والصمود ( مثل معركة الكفر ومعركة الميدان وغيرها ) ، ومثّلت حوران بوحدتها الوطنية ( مسلمين ومسيحيين ودروزاً ) رمزاً نضالياً مقاوماً لكل أشكال الاحتلال والهيمنة .

​حرب أكتوبر المجيدة ( حرب 1973 م ) : شهدت أرض حوران وتخومها الجنوبية والجولانية مواجهات وعمليات عسكرية كبرى ضمن جبهات القتال العربية ، حيث سطر الجيش العربي السوري والجيش العربي الأردني ملاحم بطولية على تخوم الإقليم ، لتظل حوران ميداناً متجدداً للصمود العسكري والدفاع عن تراب الوطن العربي .

​الطعنات الاستعمارية والمؤامرات الدولية وتقسيم المشرق :

​لم تكن حوران بمعزل عن الهزات السياسية الكبرى التي ضربت المشرق العربي نتيجة الاتفاقيات الاستعمارية والمؤامرات الدولية التي استهدفت تمزيق وحدة المنطقة :

​اتفاقية سايكس بيكو ( 1916 م ) : المؤامرة الاستعمارية السرية بين بريطانيا وفرنسا التي رسخت خطوط التقسيم الاستعماري على جسد الهلال الخصيب ، وقطعت أوصال الفضاء الحوراني المتصل ، وجعلت من سهوله وجبله حدوداً سياسية مصطنعة تفصل بين سوريا والأردن .

​وعد بلفور المشؤوم ( 1917 م ) : الوعد الاستعماري الباطل الذي منحت بموجبه بريطانيا حق إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين المباركة ، والذي مثلت حوران عبره عمقاً نضالياً وإسناداً بشرياً ولوجستياً مستمراً لدعم المقاومة الفلسطينية .

​مؤتمر سان ريمو ( 1920 م ) : المؤتمر الدولي الذي أقر نظام الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان والبريطاني على فلسطين والأردن ، وشهد تكريساً ميدانياً للتقسيم وقمعاً لطموحات الحركة العربية في الاستقلال والوحدة .

​الامتداد الجغرافي والسياسي المعاصر إقليمياً وروابط العشائر الممتدة :

​يمتد إقليم حوران جغرافياً وتاريخياً ليتجاوز حدود القوالب السياسية الحديثة في قلب المشرق العربي ، ليشمل امتدادات واسعة ومتماسكة :

​في الجانب السوري : يشكل الإقليم العمق الجنوبي الأساسي ، ويضم أراضي محافظة درعا كاملة ، وأجزاء واسعة من محافظة السويداء ( جبل العرب ) ، ومحافظة القنيطرة ( الجولان ) ، وأجزاء من ريف دمشق الجنوبي .

​في الجانب الأردني : يمتد الامتداد الطبيعي والتاريخي والاثنوغرافي لحوران ليشمل محافظات شمال الأردن وفي مقدمتها إربد ( بما في ذلك بلداتها التاريخية مثل حوارة ) ، والرمثا ، ومحافظة عجلون ، ومحافظة المفرق ، وباديتها الشمالية الغربية الحاضنة لدرة الآثار ( أم الجمال ) .

​الامتداد التاريخي المتصل مع فلسطين ولبنان : أما فيما يخص فلسطين ولبنان ، فلم تكن حوران بمعزل عنهما ؛ إذ شكلت سهول حوران الغربية والجولان حلقة الوصل المباشرة مع جليل فلسطين وشمال فلسطين عبر تخوم وادي اليرموك وبحيرة طبريا تاريخياً وتجارياً ، كما امتدت شبكات التحالف والتجارة الحورانية نحو حواضر البقاع وجنوب لبنان ضمن الفضاء الشامي الموحد الذي لم تكن تفصله حدود إدارية مصطنعة ، ليبقى الإقليم شرياناً متصلاً يربط بادية الشام بحواضر فلسطين ولبنان والأردن وسوريا في وحدة جغرافية وثقافية فريدة .

​عشائر حوران الممتدة عبر الحدود : نتج عن التقسيم الاستعماري وترسيم الحدود الدولية أن انقسمت العديد من العشائر والعائلات الحورانية الأصيلة ؛ فبقي قسم منها في سوريا وبقي القسم الآخر في الأردن . وعلى الرغم من هذه الحدود المصطنعة ، فإن روابط اللحمة والنسب والمصاهرة والترابط العشائري والثقافي ما زالت قوية وحية بين أبناء الإقليم في مختلف الأقطار ، ولن تشكل الحدود يوماً — بإذن الله — سداً منيعاً أو عائقاً أمام تواصلهم المستمر وتلاحمهم العريق .

​واقع إقليم حوران في العصر الحالي :

​يعيش إقليم حوران في واقعه المعاصر حالة من التلاحم الحي بين إرثه التاريخي العميق وتحديات الحاضر :

​الواقع الزراعي والاقتصادي : ما زال الإقليم يحافظ على هويته الزراعية وسمعته التاريخية بوصفه سلة لإنتاج الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية والزيتون ، رغم التحديات المناخية وشح الموارد المائية وتأثيرات الظروف الاقتصادية العامة في المنطقة .

​الواقع الاجتماعي والثقافي : يحتفظ المجتمع الحوراني بخصائصه العشائرية والتقليدية المتماسكة ، مع حضور قوي للروابط الاجتماعية المتجذرة التي تتجاوز الحدود السياسية بين شطري الإقليم في سوريا والأردن ، فضلاً عن الدور الثقافي والعلمي البارز لأبنائه في المؤسسات الأكاديمية والتربوية والمهنية في عمان ودمشق وسائر حواضر المنطقة .

​الواقع التنموي والعمراني : تشهد بلدات وقرى حوران نمواً عمرانياً وسكانياً على أنقاض المدن البازلتية التاريخية القديمة ، مع سعي مستمر للحفاظ على التراث المعماري الفريد والمواقع الأثرية العالمية ( مثل بصرى الشام وأم الجمال ودرعا ) بوصفها شواهد حية على عراقة المكان وديمومته .

​ختامًا ، لا تختزل حوران في جغرافيا أو سجل إداري ؛ إنها سيكولوجيا صمود متجسدة في هيئة أرض . مساحة تآخى فيها الصليب مع المئذنة ، وتعانق فيها القلم مع السيف فوق تراب بركاني . من ملوك الغساسنة وقلاع الأنباط إلى ساحات معركة اليرموك الفاصلة وملحمة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة ، ومن بيوت البازلت في بصرى وأم الجمال إلى ثورات العز بقيادة سلطان باشا الأطرش ومواجهة الطعنات الاستعمارية وساحات حرب أكتوبر ، تحكي حوران سيرة إنسان لم يطوّع الصخر فحسب ، بل استمد منه ديمومته — مؤكدة أن من يملك القمح والحجر ، ويستوعب حركة الأرض والتاريخ ، يملك الكلمة الأخيرة في كتاب الزمان .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​أولاً : الكتب والمراجع التاريخية والبحثية المطبوعة :
  3. ​1 ) أبو الفداء ، إسماعيل بن علي . المختصر في أخبار البشر . القاهرة : المطبعة الحسينية المصرية .
  4. 2 ) ابن كثير ، أبو الفداء إسماعيل بن عمر . البداية والنهاية . بيروت : دار الفكر .
  5. 3 ) الأطرش ، سلطان باشا . مذكرات سلطان باشا الأطرش : قائد الثورة السورية الكبرى . بيروت : الدار العالمية للنشر والتوزيع .
  6. 4 ) بخيت ، محمد عدنان . تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني ( 1516 - 1918 م ) . عمان : منشورات لجنة تاريخ الأردن .
  7. 5 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . تحقيق : عبد الله أنيس الطباع . بيروت : دار النشر للجامعيين .
  8. 6 ) الجدع ، أحمد . معارك خالدة في تاريخ الشام . عمان : دار الضياء للنشر والتوزيع .
  9. 7 ) الجميل ، سيار . تاريخ المشرق العربي : من العثمانيين إلى الانتدابات الاستعمارية . عمان : دار الشروق .
  10. 8 ) حتي ، فيليب . تاريخ بلاد الشام : من الفجر التاريخي حتى الفتح العربي الإسلامي . بيروت : دار الثقافة .
  11. 9 ) حوراني ، هاني . التركيب الاقتصادي والاجتماعي لشرق الأردن ( 1921 - 1950 م ) . عمان : أبحاث الأردن .
  12. 10 ) الدمشقي ، أبو العباس شهاب الدين . مسالك الأبصار في ممالك الأمصار . أبو ظبي : المجمع الثقافي .
  13. 11 ) الزركلي ، خير الدين . الأعلام : قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين . بيروت : دار العلم للملايين .
  14. 12 ) الشراب ، محمد محمد حسن . معجم بلدان فلسطين والحورانات . عمان : دار المأمون للنشر والتوزيع .
  15. 13 ) شوقي ، جلال . جغرافية بلاد الشام التاريخية والأدبية . دمشق : منشورات وزارة الثقافة .
  16. 14 ) الطبري ، محمد بن جرير . تاريخ الرسل والملوك . تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم . القاهرة : دار المعارف .
  17. 15 ) الظاهري ، غرس الدين خليل بن شاهين . زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك . باريس : المطبعة الجمهورية .
  18. 16 ) الغرايبه ، قيصر صالح . سلسلة الأكاديمي في تاريخ الأردن وآثار المشرق العربي . عمان : مطبعة السفير .
  19. 17 ) القلقشندي ، أحمد بن علي . صبح الأعشى في صناعة الإنشا . القاهرة : المؤسسة المصرية العامة للكتاب .
  20. 18 ) كرد علي ، محمد . خطط الشام . دمشق : مكتبة النوري .
  21. 19 ) المقدسي ، شمس الدين أبو عبد الله . أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم . ليدن : مطبعة بريل .
  22. 20 ) اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب . كتاب البلدان . بيروت : دار الكتب العلمية .
  23. ​ثانياً : المواقع والمدونات الرقمية وصفحات الأرشيف التاريخي :
  24. ​1 ) صفحة الباحث الأرشيفي والباحث أبو المعتمد الزعبي على فيسبوك . منشورات ووثائق وثائقية وتوثيقات حقلية للنقوش الآثارية والسجلات العثمانية الخاصة بقرى إقليم حوران ومدنه التاريخية .
  25. 2 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( qaisargharaibeh.com ) . دراسات ومقالات تاريخية وتربوية وتوثيقية تناولت جغرافيا بلاد الشام ، وتاريخ حوران المحلي ، والتطور الاجتماعي والزراعي في الأردن وسورية .
  26. 3 ) صفحة الدكتور محمد المناصير على فيسبوك وكتاباته التوثيقية . أبحاث ومقالات تاريخية حول تاريخ الأردن والعهد العثماني ، والتنظيمات الإدارية والعشائرية في إقليم حوران وشرق الأردن .