يستعرض هذا المقال ، من خلال وثيقة تاريخية أصيلة ، محطات تأسيس التعليم النظامي في شرق الأردن ، ويبرز دور المدارس الرشدية والتجهيزية ومكتب عنبر بدمشق .

ذاكرة الأجيال : عبق التربية وعراقة التعليم في وثائق الماضي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين تتأمل أوراق الماضي وتغوص في ثنايا دفاتر العائلة العتيقة ، فإنك لا تقرأ مجرد سطور باهتة على ورق صفره الزمان ، بل تستنشق عبق أزمنة مضت ، وتستحضر أرواحاً رسمت بجهودها الصادقة ملامح البدايات الأولى لمسيرة النور والعلم . إن الوثائق المدرسية القديمة ليست مجرد أوراق ورقية عابرة ، بل هي نوافذ مضيئة تطل بنا على تاريخ حافل بالصبر والتفاني ، وتكشف لنا عن اللبنات الأولى التي أُسست عليها صروح التعليم النظامي في منطقتنا خلال مرحلة فاصلة اتسمت بتطور المدارس الانتقالية من ( الرشدية ) المتوسطة إلى المدارس التجهيزية والثانوية العريقة في عشرينيات القرن العشرين .

​محتوى الوثيقة التاريخية : شواهد ناطقة من زمن الأجداد :

​لكي تتضح الصورة الوثائقية جليةً أمام القارئ الكريم ، نستعرض أولاً النواحي الشكلية والمضمونية لهذه الشهادة المدرسية الأصيلة التي تحمل بين طياتها حكايات الجد والاجتهاد :


​جذور التعليم النظامي ومحطاته الأولى في إمارة شرق الأردن :

​لقد مر التعليم في إمارة شرق الأردن بمراحل تأسيسية متدرجة ومتجذرة في عمق التاريخ الوطني ، فقد انطلقت المسيرة من المدارس الرشدية العثمانية ( التي سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى ( الرشد ) ومرحلة النضج العقلي والعمري للطلاب لتشكل مرحلة التعليم المتوسط أو الإعدادية ) والتي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ( مثل المدرسة الرشدية في إربد التي تأسست عام 1899 م بجوار السرايا ) . ومع انبثاق فجر إمارة شرق الأردن وتأسيسها عام 1921 م ، بلغ عدد المدارس الحكومية نحو 44 مدرسة فقط ، وشهدت هذه المرحلة مباركة ودفعة قوية نحو تحول تدريجي ذكي لتلبية متطلبات النهضة التعليمية الطموحة وإعداد جيل المستقبل للمرحلة العالية .

​فلسفة التسمية : لماذا أُطلق عليها اسم ( المدارس التجهيزية ) ؟ :

​وفي سياق هذا التسلسل التاريخي والتطور المؤسسي ، برزت ما تُعرف بـ ( المدارس التجهيزية ) ؛ وسبب تسميتها يعود إلى كونها المرحلة التحضيرية والتمهيدية الأساسية التي ( تجهز ) وتُعد الطلاب وتأخذ بأيديهم للانتقال من مرحلة التعليم المتوسط ( أو الابتدائي العالي ) إلى مرحلة التعليم الثانوي العالي أو الكليات المتخصصة . لقد كانت هذه المدارس تجهز الطلاب وتؤهلهم لكي يصبحوا قادرين على الالتحاق بالمرحلة الثانوية الكاملة أو المدارس العليا في ذلك الوقت ، لتكون بمثابة الجسر الأكاديمي والمرحلة الانتقالية الضرورية للعبور الموفق نحو آفاق المعرفة المتقدمة .

​بوصلة الطلبة نحو ( مكتب عنبر ) وبلاد الشام :

​وقبل اكتمال صروح التعليم الثانوي المحلي وتطور بنيته في ربوع إمارة شرق الأردن ، وفي حقبة زمنية كانت فيها الخيارات التعليمية المتقدمة محدودة للغاية ، كان طموح أبناء الشمال ومدينة إربد وما جاورها يشد الرحال بعزيمة لا تلور طلباً للعلم نحو حواضر الشام العريقة ، وخصوصاً إلى دمشق الفيحاء حيث ( مكتب عنبر ) ( المكتب الإعدادي الملكي ) . وهو قصر أثري ضخم شيده التاجر الدمشقي يوسف أفندي عنبر في سبعينيات القرن التاسع عشر قبل أن تؤول ملكيته للدولة العثمانية وتحوله إلى مدرسة تعد من أقدم وأهم المدارس المدنية في بلاد الشام التي افتتحت رسمياً في أواخر العهد العثماني . وقد تخرجت من هذا الصرح المعماري والتاريخي البارز في حي باب توما نخبة من كبار القادة والأدباء والمفكرين والسياسيين الذين صنعوا تاريخ سوريا والمنطقة ، وفي مقدمتهم الشاعر الأردني الكبير مصطفى وهبي التل ( عرار ) . لقد شكل مكتب عنبر محطة مضيئة ورافداً أساسياً نهل منه الأوائل قبل أن تزدهر صروح التعليم النظامي الحديثة في الوطن .

​التطور اللاحق وافتتاح مدرسة السلط الثانوية ( أم المدارس ) :

​ومع اتساع الحركة التعليمية وتنامي الوعي الوطني المنشود ، توالت الإنجازات وازدهرت صروح المعرفة لتظهر المدارس الثانوية والأكاديمية والمهنية الحديثة التي أعادت رسم خارطة التعليم في البلاد . وفي عام 1923 م ، وضع سمو الأمير عبد الله بن الحسين مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية حجر الأساس لمبنى مدرسة السلط الثانوية ( أم المدارس ) التي افتتحت رسمياً عام 1925 م لتكون أول مدرسة ثانوية متكاملة في تاريخ الأردن الحديث ، تلتها خطوات مباركة لتطوير المدارس التجهيزية في المدن الرئيسية مثل إربد والكرك وعمّان لتمنح شهادات عليا تؤهل أبناء الوطن للالتحاق بميادين التعليم العالي بروح واثقة وعزيمة صلبة .

​مسيرة علمية رائدة ومحطات عمل مبكرة :

​ضمن هذا السياق التاريخي العريق والملهم ، انعكست ثمار هذا البناء التعليمي المتين على جيل الأوائل ؛ فقد أنهى المرحوم مفلح داوود نايل الغرايبه تعليمه وتخرج من المدرسة التجهيزية في إربد ، ليشد رحاله بعدها متابعاً مسيرته التعليمية المتميزة في مدرسة السلط الثانوية . ولم تتوقف طموحاته عند هذا الحد المشرق ، فما إن تخرج منها ونظراً لتفوقه الدراسي الملحوظ وكفاءته العالية ، حتى نال استحقاق التعيين الفخري بوظيفة ( مساح ) في مديرية أو دائرة الأراضي الأردنية ، ليكون واحداً من الكفاءات الوطنية المبكرة التي وضعت لبنات البناء والتعمير وساهمت بفعالية في خدمة مؤسسات الوطن وبنائها الأساسي .

​هندسة التوثيق المدرسي وبنيته الإدارية :

​إن الناظر في تفاصيل هذه الوثيقة يلمس بوضوح مدى الانضباط الإداري والتربوي الرفيع الذي ساد المؤسسات التعليمية في تلك الفترة المبكرة من تأسيس إمارة شرق الأردن . فقد اعتمدت المدرسة نماذج ورقية منظمة بدقة فائقة ، تتصدرها ترويسة رسمية تحمل اسم المدرسة والعام الدراسي بفخر واعتزاز ، إلى جانب حقول منسقة مخصصة لبيانات الطالب واسمه وصفه الدراسي بدقة تسحر الألباب .

​ولا تتوقف أهمية الوثيقة عند حدود تسجيل البيانات الشخصية البحتة ، بل تمتد عميقاً لتكشف عن منهجية إدارية صارمة ودقيقة في رصد التحصيل الأكاديمي والسلوك العام ، حيث توضح الإرشادات المدونة على حواشي الوثيقة وجداولها ضرورة تدوين الدرجات بالأرقام لا بالكلمات ، واعتماد منظومة التقديرات المعيارية بدقة ، فضلاً عن تخصيص حقول مستقلة لتقييم السلوك والمواظبة بالحروف الهجائية العريقة ، ومتابعة الغياب وتوثيق الملاحظات المدرسية وتوقيعات الإدارة الحية .

​دلالات تاريخية واجتماعية تضيء الدرب :

​إن استنطاق مثل هذه الوثائق الخالدة يتجاوز البعد البيروقراطي الضيق ليلامس أبعاداً اجتماعية وحضارية واسعة ، فهي تقدم شهادة حية ناطقة على عراقة التعليم النظامي وحرص الأسر الأردنية العريقة والمؤسسات الوطنية على توثيق المراحل التعليمية للأبناء كجزء أصيل من الذاكرة العائلية والمجتمعية المتجذرة . كما تسلط هذه الوثائق الضوء بساطع بيانها على طبيعة المناهج والصفوف التجهيزية التي مثلت الجسر المينيع والمرحلة الانتقالية لإعداد الطلاب نحو آفاق التعليم الثانوي والكليات المتقدمة .

​إن حفظ هذه الوثائق التاريخية العظيمة ودراستها بعمق وتحليل لا يمثلان ترفاً فكرياً ، بل هما وفاء نقي للجهود الجبارة الكبيرة التي بذلها رواد التعليم الأوائل في الوطن ، ويؤسسان لقاعدة معلوماتية صلبة لا غنى عنها لكل مهتم بتاريخ الإدارة المدرسية وتطور النظم التربوية والتعليمية في المنطقة ، مما يجعل من هذه المستندات كنوزاً تاريخية نادرة تستحق أقصى درجات العناية والتوثيق والتقدير .

مصدر الوثيقة والمعلومات : المحامي الأستاذ بشير مفلح الغرايبه .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) وثائق ومستندات أرشيف العائلة ( شهادة المدرسة التجهيزية في إربد للعام الدراسي 1344 / 1345 هـ ) .
  3. 2 ) روايات ومعلومات تاريخية موثقة مقدمة من المحامي الأستاذ بشير مفلح الغرايبه .
  4. 3 ) دراسات تاريخ التعليم في إمارة شرق الأردن وتطور المدارس التجهيزية والرشدية ومدرسة السلط الثانوية .
  5. 4 ) مقالات وأبحاث توثيقية حول ( مكتب عنبر ) وقصره التاريخي المعماري في دمشق القديمة .