خربة الحاوي واحة بيئية وأثرية ساحرة في لواء الكورة تشهد على عمق التاريخ والأصالة الأردنية ، وتروي حكايات العراقة بين أحضان الطبيعة .
خربة الحاوي : واحة الطبيعة الساحرة والعمق الجغرافي في لواء الكورة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تنبض أرض الشمال الأردني بحكايات العز والأصالة ، وتتزين تلالها بمعالم فريدة تجمع بين عراقة التاريخ وجمال الطبيعة البكر ، ومن بين تلك الدرر الخفية تبرز منطقة خربة الحاوي كواحة ساحرة في قلب لواء الكورة ، لتجسد بجمالها السكون والسكينة وتروي تفاصيل الارتباط الأزلي بين الإنسان والأرض .
جوهرة جغرافية وبيئية في شمال الوطن :
تُعدّ منطقة خربة الحاوي واحدة من أجمل المعالم البيئية والجغرافية في شمال المملكة الأردنية الهاشمية ، حيث تتبع إدارياً لواء الكورة التابع لمحافظة إربد ، وتحديداً ضمن قضاء الكورة الذي يضم نخبة من البلدات والمناطق ذات الحضور الطبيعي والتاريخي . وتتألق بطابعها الريفي الفريد الذي يدمج التضاريس الجبلية المتموجة مع الغطاء النباتي الخلاب .
الموقع الإداري والخصائص الطبوغرافية :
تقع خربة الحاوي في حضن لواء الكورة ، وتشكل حلقة وصل طبيعية ومهمة بين جبال عجلون وسهول إربد الغربية . وتتميز بقربها الشديد من الغابات الحرجية العريقة مثل غابات برقش ، وتتداخل جغرافياً مع الأودية والمسارح الطبيعية التي تمنحها أجواءً هادئة ومتنفساً طبيعياً غاية في الروعة والهدوء لا يُضاهى .
البركة التاريخية والمعالم الأثرية :
تزداد سحر المنطقة وجمالها بوجود بركة الحاوي الأثرية ، وهي تجمع مائي طبيعي وتاريخي مستطيل الشكل ، كان في الماضي إحدى أهم برك تجميع مياه الأمطار في لواء الكورة التي تسد حاجة الإنسان والحيوان من مياه الشرب . وعلى الرغم من أنها أصبحت اليوم معلماً صامتاً يحكي قصص الماضي بعد أن هجر سكان خربة الحاوي مساكنهم للعيش في بلدة جديتا ، إلا أنها لا تزال شاهداً حياً على إبداع الأجداد في إدارة الموارد المائية .
وتزخر الخربة أيضاً ببقايا أثرية متنوعة ، حيث تتناثر في أرجائها بقايا معمارية تدل على نمط الاستيطان القديم ، وتشمل أساسات حجرية لمساكن قديمة ، ومعاصر حجرية قديمة للعنب والزيتون ، وكسر فخارية متناثرة تعود لعصور تاريخية متعاقبة ، مما يجعلها موقعاً أثرياً يحتاج إلى مزيد من الدراسات الميدانية لكشف أسرار الحضارات التي اتخذت من هذا المكان مستقراً لها .
النسيج البشري والهدوء الريفي :
وعلى الرغم من هدوئها العميق وقلة قاطنيها مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى ، إذ تُظهر البيانات الإحصائية الرسمية أن عدد سكانها يُقدر بنحو ستة نسمات ، مما يمنحها طابعاً استثنائياً يغلب عليه السكون والهدوء الريفي البكر ، إلا أن خربة الحاوي تحتفظ بمكانة وجدانية وتاريخية كبيرة ؛ فهي تبقى مرتبطة وجدانياً وتاريخياً بأهالي لواء الكورة العريق والأوفياء الذين يرعون أرضها ويحفظون إرثها البيئي والطبيعي .
دلالة الاسم والتسمية التاريخية :
يُطلق مصطلح " الخربة " في التراث الجغرافي المشرقي على المواقع الأثرية القديمة التي كانت عامرة بالسكان في عصور سابقة ثم هُجرت وبقيت آثارها ماثلة للعيان ، وغالباً ما تقترن بوجود معالم مائية . أما كلمة " الحاوي " فتشير إلى دلالات الاحتواء والضم للمكان ، أو قد تكون نسبةً لشخصية أو مهنة تراثية اقترنت بالموقع . وعلى الرغم من عدم تدوين أسماء قديمة مستقلة وموثقة للمكان في المصادر الكلاسيكية ، إلا أنه بقي في الذاكرة الشعبية لأهالي الكورة يُعرف باسم " خربة الحاوي " تمييزاً له عن الخرب المجاورة المتناثرة بين سفوح الجبال .
القيمة الاستراتيجية والآفاق السياحية :
تكمن أهمية خربة الحاوي في كونها جزءاً لا يتجزأ من الحزام البيئي والسياحي الممتد في مرتفعات الكورة وغابات برقش . فهي تمثل نموذجاً رائعاً للقرى الخربة التاريخية التي تشهد على أنماط الاستيطان البشري القديم والارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض الأردنية ، وتستحق بجدارة أن تكون محطة بارزة على خريطة السياحة البيئية والآثار في ربوع محافظة إربد الغالية .
تبقى هذه البقاع الطاهرة وديعة في ضمير الوطن ، تحرسها أشجار السنديان العتيقة وتصدح في أرجائها ترانيم الجغرافيا الأردنية الشامخة ، لتظل خربة الحاوي رمزاً خالداً للنقاء والجمال الطبيعي الذي ينتظر دوماً من يكتشف مكنونه ويصون عراسته .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) وزارة الداخلية الأردنية : التقسيمات الإدارية وألوية محافظة إربد ولواء الكورة .
- 2 ) دائرة الإحصاءات العامة : بيانات التعداد السكاني والخصائص الديموغرافية للمناطق والقرى .
- 3 ) السجلات التوثيقية لبلديات ومناطق إربد : دراسات جغرافية وبيئية حول المعالم المائية والغابات الحرجية .
- 4 ) مديرية سياحة إربد : أدلة المواقع البيئية والسياحية في غابات برقش ولواء الكورة .
- 5 ) الكورة نيوز : تقارير حول التراث العمراني والمائي في لواء الكورة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.