حوارة / إربد : بلدة أردنية عريقة في سهل حوران ، تدمج بين الجذور التاريخية والأثرية ، والريادة التعليمية ، والنسيج العشائري والإنساني المتماسك .
حوارة / إربد : درة سهل حوران ومنارة الوعي وواحة الذاكرة الإنسانية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
ألا ليت بلدة حوارة وحجارتها تتكلم لتروي لنا قصة بقعة أردنية طالما تنفست عبق التاريخ وتوسدت سنابل القمح ذاكرة الأجيال ! فعلى أرض إمارة إربد ، وفي قلب سهل حوران الخصيب الممتد من ضواحي جنوب دمشق حتى نهر الزرقاء ، حيث تتألق تلك التربة الحمراء الكلسية المعطاءة بجمالها الفريد وخيراتها المتدفقة على ارتفاع نحو 600 متر فوق سطح البحر ، تتربع بلدة حوارة كأيقونة فريدة تتجاوز كونها مجرد إحداثيات جغرافية ( على دائرة عرض 32.534930 شمالاً وخط طول 35.906407 شرقاً ) ترسم الطريق بين إربد والرمثا على مسافة أربعة كيلومترات شرق مركز المحافظة ، لتغدو سجلاً اجتماعياً حياً ، وبوابة شرقية نابضة بالصمود والتآخي ، إنها الأرض التي تجود بالخير والعطاء ، وتسطر في كل تفصيلة من تفاصيل ترابها وحجارتها قصة إنسان أردني أصيل أشرق وعيه من تراب وطنه .
سيمفونية التسمية وبلاغة المكان :
اشتق اسم حوارة لغويةً وسريانياً من " الحُوّر " أو " الحَوَر " ، وهو بياض تربتها الكلسية الناصع الذي يمنح أراضيها خصوصية جيولوجية وجمالية فريدة ، هذا البياض المتناغم مع حمرة ترابها الأصيل وصخورها الفاتحة لم يكن لوناً للأرض فحسب ، بل كان رمزاً لنقاء سريرة أهلها وصفاء مروءتهم وسلامة طواياهم ، وبحكم موقعها الاستراتيجي على طرق القوافل والتجارة والحج الشامي الرابطة بين دمشق والجزيرة العربية ، أصبحت حوارة رغيف المنطقة النابض ، حيث أُطلق عليها قديماً " كوارة القمح " لجودة قمحها وغزارته ، إلى جانب اشتهارها بأشجار الزيتون والكرمة والتين ، محولةً الاستقرار الزراعي إلى نهضة حضارية وإنسانية متكاملة .
الجذور التاريخية والعمق الأثري :
تزخر أرض حوارة بإرث تاريخي عريق يمتد عبر الحقب الزمنية المتعاقبة بدءاً من العصر الروماني والبيزنطي ؛ فقد عُثر في العديد من مواقعها على قطع نقدية ومنحوتات وقطع فخار تعود للحقبتين الهيلينية والرومانية ، فضلاً عن ارتباطها التاريخي بمدن حلف الديكابولس الشهيرة . ويشهد موقع " ظهر المُغر " ( سطح الكهوف ) في شرق البلدة على عمقها التاريخي كمقبرة ومستوطنة قديمة ، ولا تزال ذاكرة المكان تحتفظ بآثار البركة الرومانية التاريخية المنقوشة بالنقوش اليونانية لتجميع مياه الأمطار ، وبقايا المعالم القديمة التي تؤكد أن حوارة كانت على الدوام حاضرة في قلب مسرح الأحداث والحضارات ، حتى خلدها شاعر الأردن الكبير مصطفى وهبي التل ( عرار ) في شعره الخالد معترضاً على حلف بغداد : ( يا هبر لا بشرى ولا حوارة ... يعجبها عزفك للقيثارة ) .
علماء وأعلام وفقهاء من رواد الذاكرة الحورانية :
ذكر الرحالة والمؤرخون أن "حوارة" كانت من القرى التي لم ينقطع فيها الأذان والعلم حتى في أصعب الظروف السياسية بفضل تماسك أسرها العلمية ، فبرز في العصور الإسلامية المتوسطة لقب "الحواري" كلقب علمي وازن في دمشق والقاهرة ، ومن أبرزهم الإمام شرف الدين الحواري ( أحمد بن عثمان الحواري الشافعي ) الذي عُرف بفقهه وأصوله وانتقل للتدريس في كبرى مدارس دمشق اعتزازاً بموطنه الحوراني ، إلى جانب "أبناء قاضي حوارة" الذين ارتحلوا لطلب العلم في الجامع الأزهر والجامع الأموي ، مما يؤكد أن البلدة كانت تضم محكمة شرعية مستقلة وبيئة عامرة بالمفتين والعلماء المشتغلين بعلم الفرائض وتقسيم المواريث .
النسيج العشائري الجذور والوجدان :
تزهو حوارة بنسيج عشائري متماسك يمثل عماد البلدة وبناتها الأوائل الذين سطروا أمجادها على مساحة إجمالية تقارب 10,081 دونماً يقطنها نحو 29,882 نسمة ، فالغرايبة ، والشطناوي ، والشرع ، والكراسنة ، والرواشدة ، والجمال ، وعفنان ، والصوالحة ، والخطيب ، والروابدة ، واللوباني ، والحداد ، والفوارس ( ولنلتمس العذر ممن سقط اسم عشيرته سهواً ، فما كان ذلك إلا من فيض الذهول ، ولكم في النفس من التقدير ما يغني عن التسطير ) ، تمثل جميعها لوحة من التكاتف والشهامة والترابط الإنساني المتين الذي يلتقي عند رفعة الوطن ومصلحة الجماعة ، حيث تتزين البلدة بدواوين العشائر ( كجمعية شباب الشطناوي وجمعية حوارة الخيرية ) التي تقام فيها المناسبات والأفراح واللقاءات الوطنية .
حضن دافئ لكل باحث عن أمان :
لم تكن حوارة يوماً منغلقة على ذاتها ، بل كانت دوماً الملاذ الآمن والقلب النابض لكل من نشد الأمان ، فقد فتحت البلدة ذراعيها للأشقاء الفلسطينيين بعد محطتي اللجوء والنزوح في عامي 1948 م و 1967 م ، لينصهر الجميع في بوتقة واحدة ، واستمر هذا النهج القومي الأصيل باستضافة الأشقاء العراقيين بعد عام 2003 م ، ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 م ، كانت حوارة الحضن الدافئ للأشقاء السوريين ، فاستقبلتهم بحفاوة بالغة وكرم حاتمي ، متقاسمة معهم الرغيف والدار ، لتؤكد في كل منعطف أنها محطة إنسانية لا تعرف الحدود . وعلاوة على ذلك، فقد مثلت حوارة عبر تاريخها الحديث والمعاصر نقطة جذب سحرت القلوب والعقول بحكم موقعها الاستراتيجي وقربها من مدينة إربد، فضلاً عن قربها الحيوي من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، مما جعلها واحة استقرار ومسكنًا مفضلاً لطلبة العلم والأكاديميين والعائلات الوافدة التي وجدت في ترابها وطيب هوائها مناخاً ملائماً للعيش والسكينة.
منبع العلم والتربية ومنارة الأكاديميين :
ارتبط اسم حوارة ارتباطاً وثيقاً بالوعي الأكاديمي والريادة التعليمية ، فهي موطن كلية مجتمع حوارة ( معهد المعلمين / الريفية ) الذي يُعد من أقدم وأعرق المعاهد في المملكة الأردنية الهاشمية ومنه انطلقت أفواج حملت مشاعل التنوير للوطن بأسره ، وتضم البلدة صروحاً تعليمية عريقة شكلت وجدان أجيالها ، مثل مدرسة التطبيقات ، ومدرسة حوارة الثانوية للبنات ، ومدرسة حوارة الثانوية للبنين ، ومدرسة الخنساء ، وغيرها من المدارس الأساسية والثانوية والمختلطة التي جعلت من التعليم قيمة عليا مقدسة في كل بيت ، لتسجل نسبة عالية من حملة الشهادات الجامعية والعليا .
البصمة الروحية والمعالم التراثية :
يبرز الجانب الروحي في حوارة من خلال دور العلم ومراكز تحفيظ القرآن الكريم ، حيث تضم البلدة اليوم ما يزيد على عشرة مساجد عامرة بذكر الله ( كمسجد أبو القاسم ، أسامة بن زيد ، خالد بن الوليد ، أبو أيوب الأنصاري ، عقبة بن نافع ، سلمان الفارسي ، عثمان بن عفان ، الشيخ هامل بن خادم الغيث ، وعلي بن أبي طالب وغيرها ) ، كما لا تخلو ذاكرة المكان من شواهد اقتصادية وتراثية بارزة ، كانت شركة مطاحن إربد الأهلية للحبوب ( مطحنة حوارة ) عنوانها الأبرز لعقود طويلة كرمز لحيوية البلدة التجارية والمطحنة الوحيدة في الشمال الأردني ، ورغم رحيلها وإزالتها ، إلا أنها لا تزال حية في وجدان الأهالي كشاهد ناصع على عصر البركة والرغيف .
حوارة المستقبل عراقة الماضي وإشراقة الغد :
تدمج حوارة اليوم ببراعة متناهية بين عراقة الماضي المتمثلة في بيوتها الحجرية القديمة ومواسم حصادها البهي ، وبين حداثة الحاضر بمبانيها العصرية وتوسعها العمراني ونشاطها الثقافي المتسارع ومشاريع البنية التحتية المستمرة التي تديرها بلدية إربد الكبرى ، لتبقى حوارة شامة في جبين شمال الأردن ، ونموذجاً وطنيّاً حياً يثبت أن الأرض التي تنبت القمح والسنابل ، قادرة دائماً على إنبات الكرامة والوعي والانتماء الذي لا ينكسر .














قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الغرايبة ، قيصر صالح . مقالات دراسات تاريخية وتراثية حول بلدة حوارة وتاريخ سهل حوران . مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ، qaisargharaibeh.com .
- 2 ) الدوايمة ، أحمد أبو فروة . موسوعة المدن والقرى الأردنية . عمّان : وزارة الثقافة ، 2012 م .
- 3 ) الصويركي ، محمد علي كردي . إربد المدينة : تاريخ وحضارة وآثار . عمّان : منشورات أمانة عمّان الكبرى ، 2006 م .
- 4 ) غوانمة ، يوسف درويش . تاريخ شرقي الأردن في العصر المملوكي ( مدينة إربد وجوارها ) . عمّان : دار الفكر ، 1982 م .
- 5 ) أبو الشعر ، هند غسان . إربد وجوارها ( ناحية بني عبيد ) 1850 م - 1928 م . عمّان : منشورات بنك الأردن ، 1995 م .
- 6 ) كفافي ، زيدان عبد الكافي . تاريخ محافظة إربد وآثارها قبل الإسلام . عمّان : وزارة الثقافة ، 2008 م .
- 7 ) محيسن ، زيدون . دراسات في علم الآثار الاجتماعي لقرى في محافظة إربد . عمّان : وزارة الثقافة ، 2007 م .
- 8 ) المقداد ، صهيب محمد . حوران في العهد العثماني . 2021 م .
- 9 ) الموسى ، سليمان . تاريخ الأردن في القرن العشرين ( 1900 م - 1959 م ) . عمّان : مكتبة المحتسب ، 1988 م .
- 10 ) بيك ، فريدريك ج . تاريخ شرق الأردن وقبائلها . ترجمة : بهاء الدين طوقان . عمّان : الدار المتحدة للنشر ، 1935 م .
- 11 ) جريدة الرأي الأردنية . " حوارة إربد : ذاكرة أقدم المعاهد في الأردن " . عدد 7 تموز 2018 م .
- 12 ) جريدة الدستور الأردنية . تقارير حول التراث العمراني ومشاريع البنية التحتية في حوارة وإربد . ( 2020 م - 2024 م ) .
- 13 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) . مادة " حوارة ( إربد ) " ومادة " إربد " .
- 14 ) الموسوعة العربية ( أرابيكا ) . مدخل " حوّارة ( قرية ) - لواء قصبة إربد " .
- 15 ) شطناوي ، عبد الكريم محمد . " دار المعلمين الريفية حوارة ( إربد ) كلية حوارة للمجتمع حتى لا ننسى " . موقع صحيفة الساعة الإخبارية ، 2023 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.