يستعرض هذا المقال ، بأسلوب ميسر وتسلّسل تاريخي دقيق ، مسيرة قطاع البريد وسعاة البريد منذ العصور القديمة والدولة الإسلامية وحتى تطوراته المعاصرة وتأثير التكنولوجيا عليه ، مع إبراز محطات الذاكرة الوطنية في الأردن ومدينة إربد وبلدة حوّارة الأبيّة .
حارس الرسائل وناقل النبض : حكاية ساعي البريد في الذاكرة الأردنية وإربد وحوّارة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد رسائل الأمس وسعاة البريد رمزاً دافئاً لزمن العطاء الإنساني الأصيل ، حيث كانت الكلمة المكتوبة تحلق عبر المسافات الطويلة لتستقر في قلوب المنتظرين بشوق والحنين ، حاملةً معها نبض الأهل والأحباب وذكريات الأوطان في مسيرة تاريخية عريقة لقطاع الاتصالات والبريد امتدت من جذور الحضارات القديمة والدولة الإسلامية وصولاً إلى ربوع الأردن ومدينة إربد وبلدة حوّارة الأبيّة .
1 ) الجذور التاريخية لنظم البريد والاتصال في العصور القديمة والدولة الإسلامية :
تُعتبر حاجة الإنسان لنقل الرسائل وتوصيل الأخبار مساوية في قدمها لعمر الحضارات الإنسانية ذاتها ، فمنذ أن أدركت الدول والممالك القديمة أن بقاء السلطة واستقرار الملك يعتمدان ارتباطاً وثيقاً بسرعة تدفق المعلومات ، ظهرت أولى النظم البريدية البدائية التي اعتمدت على العدائين المحترفين ، ثم على امتطاء الخيول السريعة عبر محطات استراحة منتظمة .
ومع انبلاج فجر الدولة الإسلامية واتساع رقعتها الجغرافية الكبرى في العصور الأموية والعباسية ، برزت الحاجة الملحة لتأسيس جهاز إداري متطور ومنتظم يُعنى بحفظ أمن الدولة وتأمين التواصل السريع بين العاصمة والولايات والأمصار المتباعدة ، وقد أُطلق على هذه المؤسسة اسم " ديوان البريد " ، وكان على رأس القائمين عليها شخصيات تحظى بثقة بالغة وثقافة واسعة وقدرة على حفظ الأسرار .
تنوعت وتطورت وسائل نقل الرسائل في الدولة الإسلامية وفقاً لطبيعة الظروف والمسافات :
2 ) نشأة البريد الأردني وسعاة الرعيل الأول في إربد :
امتداداً لتلك الجذور التاريخية العريقة في حفظ التواصل البشري وتطوير أدواته ، انطلق البريد الأردني مع بواكير عهد الإمارة في العام 1921 م ليخطو خطواته الرسمية الأولى نحو تنظيم خدمات الاتصال وتوسيع نطاقها في مختلف المدن والمناطق . وفي العام 1975 م ، صدر قانون الخدمات البريدية لتنظيم هذا القطاع الحيوي ، بينما صدرت في العام 2005 م أول رخصة لمشغل بريد خاص من قبل هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ليتسع نطاق المشغلين لاحقاً .
وفي إربد القديمة خلال أوائل القرن الماضي وعشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ، حظي ساعي البريد أو ( البوسطجي ) بمكانة اجتماعية مميزة رفيعة المستوى ، نظراً لدوره الحيوي والفريد في ربط العائلات بعضها ببعض ، حاملاً أخبارهم وناقلاً بريدهم ورسائلهم ممتطيا صهوة الخيل أو سيراً على الأقدام . وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح ( البوسطجي ) هو كلمة مأخوذة من اللغة التركية ( Postacı ) ، وهي مركبة من كلمة ( بوسطة ) التي تعني البريد ، و( جي ) اللاحقة التركية الدالة على اسم الفاعل والمحترفة للمهنة ، لتصبح تعبيراً دقيقاً عن رجل البريد وساعيه .
وفي تلك الفترة المبكرة من عمر إربد ، لمع في الذاكرة الشعبية والتاريخية رعيل من الأوائل الذين امتهنوا هذه الوظيفة العريقة ؛ حيث ضمّت قائمة أشهر سعاة البريد الأوائل في المدينة كلّاً من سعيد الرشيدات و حسين أبو السميد ، وتكاملت هذه المسيرة بعطاء وجوه بريدية بارزة عبر العقود اللاحقة شملت :
( وتوثق الذاكرة التاريخية في هذا السياق صورة أول ساعي بريد أردني وهو على صهوة جواده خلال أوائل عشرينيات القرن الماضي ، كرمز أصيل لتلك البدايات المباركة ) .
3 ) تطور مهنة ساعي البريد في الأردن : من البريد التقليدي إلى المؤسسة الحديثة :
وارتباطاً بهذا التسلسل الزمني والمتغيرات الإدارية المتسارعة ، مرّ قطاع البريد في الأردن بمراحل تحول جذري عكست تطور الدولة وتكيفها مع روح العصر . لقد شهدت الأدوار التقليدية للبريد تحولات عميقة بفعل زحف التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات الرقمية ؛ فبين الأمس واليوم ، تغيرت طبيعة المهنة ليتحول البريد من مجرد وسيط تقليدي لنقل الرسائل الورقية الشخصية والبطاقات البريدية إلى مؤسسة وطنية ذات دور شمولي واسع النطاق :
4 ) ساعي البريد في محافظة إربد وبلدة حوّارة المعطاءة :
تجسيداً لتلك الروح الأصيلة في شمال الوطن وتكملة لمسيرة العطاء البريدي التي لا تنقطع ، تمتلك مدينة إربد ومحافظتها بقراها وبلداتها امتداداً تاريخياً عريقاً تتجلى ملامحه المضيئة في بلدة حوّارة العريقة :
لقد شكل هؤلاء الرجال الأجلاء من رموز إربد الأوائل وسعاة البريد في بلدة حوّارة نبضاً حياً وذاكرة وطنية واجتماعية ناصعة ، حافظوا من خلالها على أمانة الكلمة ورابطة الوصل بين الناس عبر الأجيال .






قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) موسوعة التاريخ الإداري والبريدي في الأردن .
- 2 ) الروايات الشفوية والذاكرة التاريخية لبلدة حوّارة ومحافظة إربد .
- 3 ) إضاءات توثيقية في تاريخ إربد الاجتماعي ( الباحث حازم علي حجازي ) .
- 4 ) مقالات وتحقيقات صحفية موثقة حول تطور مهنة ساعي البريد وتأثير التكنولوجيا ( شبكة إندبندنت عربية ، موقع العربي الجديد ، صحيفة السوسنة الأردنية ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.