يتناول هذا المقال ، بأسلوب تاريخي توثيقي ، أحداث ثورة الكورة الأولى عام 1834 م ضد سياسات إبراهيم باشا بقيادة الشيخ رباع الثاني بن شريدة .

ثورات السنابل والحصون : قراءة تاريخية في كفاح جبل الكورة عام 1834 م

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​شهد التاريخ الحديث لشرق الأردن محطات مفصلية شكلت الوجدان الجماعي لسكانه ، وصاغت هويتهم القائمة على رفض الاستبداد والتمسك بكرامة الأرض . ومن أبرز هذه المحطات التي تستدعي القراءة والتحليل ، تلك الانتفاضات الشعبية التي تفجرت في جبال الشام وجنوبها رداً على التغيرات الإدارية والعسكرية العنيفة . ولم تكن منطقة لواء الكورة بقرائها الحصينة وجغرافيتها الوعرة بمنأى عن هذا المخاض التاريخي ، بل كانت سباقة في وضع حد للمظالم ، مدفوعة بإرث طويل من الزعامات المحلية التي لم تخضع تاريخياً للسطوة الخارجية ، وقدمت أرواح قادتها فداءً لحرية مجتمعاتها .

​جذور الزعامة وإرث مواجهة المظالم :

​لم تكن مشيخة آل الشريدة ( الخالدي المخزومي ) في ناحية الكورة وليدة الصدفة أو نتاج تحول طارئ ، بل نمت وتجذرت من خلال مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية في العهدين العثماني والمصري . وقد تجسد هذا الإرث الصارم في شخصية الشيخ الوالد ( شريدة بن رباع ) ، الذي قاد العشائر الأردنية بصلابة في ( معركة وادي الغفر ) الشهيرة ، ملقناً جيش أحمد باشا الجزار ( والي عكا ) الذي كان بقيادة القائد العسكري ( الونّي ) درساً قاسيًا في فنون القتال الجبلي . ورداً على تحديه المستمر للحكام والولاة ، استدرجه العثمانيون وغدروا به ، حيث نُفذ فيه حكم الإعدام في ( المزيريب ) عام 1831 م .

​عقب استشهاد الوالد ، انتقلت مشيخة الكورة إلى ابنه ( الشيخ رباع الثاني بن شريدة ) ، الذي اتخذ من بلدة ( تِبْنَة ) الحصينة مركزاً لزعاماته . وتولى الشيخ رباع القيادة في أدق الظروف السياسية ، محتملاً إرث والده في صون كرامة المنطقة وحريتها .

​السياسات التوسعية وإشعال فتيل العصيان :

​بعد انقلاب الوالي محمد علي الكبير على العثمانيين ، زحفت الجيوش المصرية بقيادة ابنه ( إبراهيم باشا ) عام 1831 م لتبسط سيطرتها على بلاد الشام . ورغم أن الأهالي استقبلوا هذه الجيوش بالترحاب في بادئ الأمر ظناً منهم أنها منقذ لهم من الجور العثماني ، إلا أن الآمال سرعان ما تبددت أمام سياسة ( النار والحديد ) التي انتهجتها الإدارة الجديدة ، والتي تمثلت في إجراءات تعسفية نسفت الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي :

​1 ) فرض ضريبة الرأس الباهظة والمجحفة والمعروفة بـ ( الفردة ) على جميع الذكور البالغين .

2 ) إلزام الأهالي بنظام ( التجنيد الإجباري ) والسخرة ، وسَوق شباب العشائر للقتال في حروب الإدارة المصرية الخارجية البعيدة .

3 ) محاولة تجريد القبائل والعشائر الأردنية من سلاحها الشخصي ، وهو ما اعتبره الوجدان العشائري مساساً مباشراً بالهيبة والأمن والكرامة .

​اندلاع ثورة الكورة الأولى والمواجهة العسكرية :

​في أيار من عام 1834 م ، وفي الوقت الذي كان فيه ( إبراهيم باشا ) في أوج قوته العسكرية وعنفوانه ، أعلن الشيخ رباع الثاني العصيان الشامل ورفض الانصياع لتلك القرارات . وبحس تنظيمي لافت ، نجح الشيخ رباع في بناء تحالف إقليمي سريع مع عدد من وجهاء لواء الطيبة الشمالية ، ليقود الثوار في هجوم مباغت وصاعق استهدف معسكرات وحاميات قوات إبراهيم باشا في مدينة ( إربد ) . وقد أسفر الهجوم عن السيطرة الكاملة على المعسكر ، والاستيلاء على كميات ضخمة من العتاد الحربي والمؤن والخيول ، قبل أن ينحسب الثوار بنجاح صوب معاقلهم الجبلية .

​رد إبراهيم باشا على هذا التحدي بتجريد حملة عسكرية ضخمة قادها بنفسه نحو معقل الثورة في بلدة ( تبنة ) . ونظراً لوعورة المسالك الجبلية لطبيعة تبنة الجغرافية ، وحصانة بيوتها الحجرية التقليدية المبنية على الأقواس المستندة (والتي جرى الاعتماد عليها في الطوابق السفلية لحماية المواشي وتوفير الدفء الشتاء) ، عجزت المدافع والجيوش النظامية عن اختراق البلدة أو تحقيق أي نصر عسكري يذكر ، مما اضطر قائد الحملة إلى التراجع بعد الاعتراف باستحالة اقتحام جبال الكورة .

​الخديعة الغادرة واستشهاد القائد :

​أمام هذا العجز العسكري الميداني ، لجأ إبراهيم باشا إلى أساليب المكر والحيلة ، مبتعداً عن المواجهة الشريفة . فقاد مفاوضات صورية باسم الهدنة والأمان لاستدراج القيادة وتفكيك الجبهة الداخلية للثوار . ووقوعاً في حبائل هذه الخديعة السياسية ، تم اعتقال الشيخ رباع الثاني بن شريدة ، واقتيد أسيراً إلى بلدة ( سوف ) في جبل عجلون ، حيث كان يعسكر قسم من الجيش المصري بقيادة القائد العسكري ( خفتان بيك ) ، وهناك نُفذ حكم الإعدام بالشيخ البطل في ذات العام ( 1834 م ) .

​الآثار التاريخية والتحولات الاستراتيجية :

​رغم استشهاد الشيخ رباع وإخماد الانتفاضة الأولى بالقوة والغدر ، فإن الجمرة لم تنطفئ في صدور أبناء الكورة وجبل عجلون . فقد أسست هذه الثورة لوعي تنظيمي أعمق ، وتوجت باندلاع ثورة الكورة وحوران الثانية ( 1838 - 1840 م ) وثورة جبل عجلون عام 1839 م بقيادة ابنه ( الشيخ يوسف الشريدة ) والشيخ بركات الفريحات ، والتي شاركت فيها عشائر بني صخر وبني عبيد والأغوار .

​وقد أدت هذه السلسلة المتواصلة من الثورات والكمائن الجبلية المتفرقة إلى استنزاف القوات المصرية وخسارتها لنحو عشرة آلاف مقاتل ، مما أرغم محمد علي باشا على تغيير نهجه السلطوي واللجوء لسياسة المهادنة والمجالس التمثيلية المحلية ، وصولاً إلى الجلاء الكامل عن بلاد الشام عام 1841 م .

​إن قراءة أحداث ثورة الكورة الأولى عام 1834 م تتجاوز حدود السرد التاريخي التقليدي لتكشف عن نمط مبكر من المقاومة المنظمة والمستندة إلى وعي مجتمعي يرفض التبعية وسلب المقدرات . لقد أثبتت جبال الكورة وسنابلها عبر تضحيات الشيخ رباع الثاني بن شريدة أن إرادة الشعوب الحرة قادرة على إرباك أعتى الجيوش النظامية ، وأن دماء القادة تظل وقوداً يغذي ذاكرة الوطن وينير دروب أجياله المتعاقبة نحو الحفاظ على الهوية والاستقلال البنيوي للمجتمع الأردني .

قائمة المصادر والمراجع

  1. المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) مؤسسة إرث الأردن ( 2017 م ) ، بحث توثيقي منشور تحت عنوان : ثورة الكورة الأولى 1834 م .
  3. 2 ) بيركهارت ، جون لويس ( 1812 م ) ، رحلات في بلاد الشام .
  4. 3 ) روبنسون ، إدوارد وسميث ، إيلي ( 1838 م ) ، سجلات الوجوه والبلدات في نواحي جبل عجلون والكورة .
  5. 4 ) العبادي ، أحمد عويدي ، دراسات في تاريخ العشائر الأردنية والمواجهات المحلية .