أثناء عبورك الطريق الحيوي الرابط بين مدينة إربد والعاصمة عمان، وبعد تجاوزك لمستشفى الراهبات الوردية بقليل، وقبل أن تطأ قدماك مشارف بلدة الحصن، يسترعي انتباهك شموخ تاريخي مهيب يرتفع على يمين المسافر المتجه جنوباً. إنه تل الحصن الأثري، ذلك المعلم الجميل الذي لا يكتفي بكونه تضريساً جغرافياً يحدد نقطة التقاء جبال عجلون بسهول حوران، بل هو أرشيف حجري يختزل أكثر من خمسة آلاف عام من الحضارة الإنسانية على مساحة تبلغ 99 دونماً.

تل الحصن: حارس التاريخ في شمال الأردن .... " ديون " المفقودة التي بعثها الأمويون
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
أثناء عبورك الطريق الحيوي الرابط بين مدينة إربد والعاصمة عمان، وبعد تجاوزك لمستشفى الراهبات الوردية بقليل، وقبل أن تطأ قدماك مشارف بلدة الحصن، يسترعي انتباهك شموخ تاريخي مهيب يرتفع على يمين المسافر المتجه جنوباً. إنه تل الحصن الأثري، ذلك المعلم الجميل الذي لا يكتفي بكونه تضريساً جغرافياً يحدد نقطة التقاء جبال عجلون بسهول حوران، بل هو أرشيف حجري يختزل أكثر من خمسة آلاف عام من الحضارة الإنسانية على مساحة تبلغ 99 دونماً.

من العصر البرونزي إلى مراسلات العمارنة:

تؤكد الدراسات الأثرية أن الحكاية بدأت هنا منذ العصر البرونزي الأول، حوالي 3000 ق. م. لم يكن التل مجرد مستقر عابر ، بل كان مركزاً حيوياً تأثر بالصراعات الكبرى في الشرق الأدنى القديم. ففي العصر البرونزي المتأخر، وتحديداً في عهد الفرعون تحتمس الرابع، لعب التل دوراً بارزاً، واستمرت هذه الأهمية وصولاً إلى فترة العمارنة الشهيرة، حيث ورد ذكر المنطقة في الرقم الطينية التي وثقت مراسلات ملوك مصر القديمة بغيرهم من ملوك الشرق الأدنى . وقد منحت الطبيعة الزراعية الخصبة للحصن، التي اشتهرت بإنتاج الحبوب والعنب والزيتون، قيمة استراتيجية جعلتها محط أنظار الإمبراطوريات، وخاصة خلال حكم الأسرة المصرية التاسعة عشرة، وصولاً إلى العصور الحديدية التي شهدت ازدهار مملكة باشان الآرامية.

لغز ديون والآثار الرومانية:

يرجح الباحثون أن الحصن هي ذاتها مدينة ديون ، إحدى مدن التحالف العشر الديكابوليس التي ازدهرت في العصرين الهللنستي والروماني. وما يزال المشهد المعماري في التل وما حوله يعزز هذه الفرضية؛ حيث تنتشر الكنائس ذات الأرضيات الفسيفسائية المزينة بالرسوم النباتية والحيوانية في جبالها الشرقية، بالإضافة إلى البركة الرومانية الشهيرة في جهتها الجنوبية الغربية، والتي ما زالت تقاوم عوادي الزمن (يعني أن هذه الآثار بقيت ثابتة وقوية، ولم تستطع السنون الطويلة أو الظروف القاسية أن تمحي معالمها أو تهدم بنيانها) شاهدة على عبقرية الهندسة القديمة.

الاكتشاف المذهل: الحصن والمسجد الأموي:

جاءت المواسم التنقيبية لجامعة اليرموك، 2008 - 2009 م، لتكشف عن مفاجآت أثرية من العيار الثقيل. فقد تم الكشف فوق سطح التل عن حصن أموي، قلعة، مربع الشكل، يمتد طول ضلعه لمئة متر، معززاً بأربعة أبراج ركنية ضخمة. ويعد هذا الحصن العسكري فريداً من نوعه ومتميزاً عن غيره من الحصون العسكرية التي عرفت في تلك الفترة، مما يؤكد أهمية الأردن كخط دفاع واستجمام للخلفاء الأمويين القادمين من دمشق. وعلى مقربة من بوابة الحصن الرئيسية، عثر المنقبون على مسجد أموي صغير، 3 . 5 × 3 م. ورغم صغره، إلا أن وجود محراب وأعمدة كانت تحمل قبة، يشير إلى أنه كان يخدم حرس البوابة، مما يعكس دقة التنظيم الديني والإداري في تلك الحقبة.

مقابر بئريه وفخار يحكي القصة:

لم تقتصر المكتشفات على العمارة الفوقية، بل غاص المنقبون في أعماق المنطقة ليكشفوا عن مقابر بئريه تبعد 50 متراً شمال شرق التل، محفورة بدقة في الصخر الطبيعي بقطر 1. 8 م، وتتفرع منها غرف دفن في الاتجاهات الأربعة. كما تم تحليل عينات واسعة من الفخار المكتشف، والتي أكدت تنوعاً طبقياً مذهلاً يمتد من العصور الرومانية والبيزنطية وصولاً إلى الفترات الإسلامية المتأخرة.

خلاصة القول

يبقى تل الحصن كنزاً أثرياً يحتاج للمزيد من الرعاية وتسليط الضوء السياحي. فهو المكان الذي تغنى به الشعراء، مثل عدي بن الرقاع العاملي، وهو الموضع الذي تبارك فيه السكان بذكرى الصالحين كـ الحصيني. إنه باختصار، حكاية صمود أردنية بدأت بقطعة فخار في العصر البرونزي، ولا تزال فصولها تُقرأ من قِبل كل عابر سبيل على طريق إربد - عمان.
الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في التاريخ والتراث الأردني، متخصص في توثيق الذاكرة الشعبية والسرد التاريخي لبلاد الشام.