يبين المقال دور المرأة العظيم في صناعة الرجال وبناء الأجيال عبر التاريخ الإسلامي والحضاري .

النساء مصانع الرجال : عظمة الصنيع وأثر التربية عبر التاريخ

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​لا تُقاس عظمة الأمم والحضارات بضخامة بنيانها ولا باتساع عمرانها ، وإنما تُقاس برفعة أجيالها وجلال صناعة الإنسان فيها . وفي طليعة هذه الصناعة الشريفة تقف المرأة ؛ أمّاً ، وزوجة ، وأختاً ، وجدّة ، لتكون بحقّ المصنع الأول الذي تتشكل في أحضانه العزائم ، وتُبنى في رحابه النفوس ، وتخرج من بين يديه قمم المجد ورجالات التاريخ .

​إن مقولة « النساء مصانع الرجال » ليست مجرد عبارة بلاغية تُقال في معرض الثناء ، بل هي حقيقة تاريخية وإيمانية راسخة شهدت عليها السير والتراجم عبر مختلف العصور . فخلف كل علم فذّ ، وإمام مجدد ، وقائد فاتح ، ورجل ناجح ، كانت هناك امرأة سهرت الليالي ، وغرست القيم ، وحملت الأمانة بشرف وصبر ، لتصنع للعالم عظماء غيّروا مجرى التاريخ .

​شواهد ومحطات من سير العظماء :

​إذا تصفحنا سجلات الإشراق في تاريخنا الإسلامي والحضاري ، نجد شواهد حية تبيّن كيف صنعت المرأة برعايتها وتضحياتها قمم العلم والقيادة ، وتجلى دورها في بناء الأمة وإقامة أركانها :

​السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها : ضربت أروع الأمثلة في الثبات والتضحية بكل ما تملك في سبيل الله تعالى ، فكانت السند والأمان والرفيقة الشجاعة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدة .

​أم سلمة رضي الله عنها : عُرفت بعقلها الراجح وحكمتها البالغة ، حتى كان الصحابة يستفتونها ويستنيرون برأيها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

​السيدة زينب رضي الله عنها : كانت ملجأ اليتامى والأرامل ، وعُرفت بكثرة سخائها وعظيم جودها وحنانها .

​صفية بنت عبد المطلب : ربت ابنها الزبير بن العوام رضي الله عنه وأحسنت تأديبه على الشجاعة والشدة في الحق ، حتى صار حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من سل سيفه في سبيل الله .

​أم ربيعة الرأي : أنفقت ثلاثين ألف دينار تركها زوجها الغائب لتعليم ابنها ربيعة وتفقيهه ، فلما عاد أبوه بعد سبع وعشرين سنة وجد ابنه شيخ المسجد النبوي وإمام أهل المدينة ، ففرح بذخيرة العلم التي صنعتها الزوجة الصالحة .

​العالية بنت شريك الأسدية ( أم الإمام مالك ) : كانت تعمم ابنها مالك بن أنس وتلبسه أحسن الثياب وتقول له : « اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه » ، فصنعت منه إمام دار الهجرة وجبلاً من جبال العلم .

​أم سفيان الثوري : كانت تعوله بمغزلها وتغزل الصوف لتكفيه معيشته وتقول له : « يا بني ، اطلب العلم حتى أعولك بمغزلي » ، فرعت طموحه حتى أصبح أمير المؤمنين في الحديث وشيخ الإسلام .

​إمام أهل السنة أحمد بن حنبل : يقول الإمام أحمد بن حنبل يرحمه الله عن أمه : « حفظتني أمي القرآن وأنا ابن عشر سنين ، وكانت توقظني قبل صلاة الفجر ، وتحمي لي ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة ، وتلبسني ملابسي ، ثم تتغطى بحجابها وتذهب معي إلى المسجد ؛ لبُعد بيتنا عن المسجد ولظلمة الطريق ! » . أحمد بن حنبل ربّته أمه ، فصنعت بعزيمتها وحنانها إماماً ثبت كالجبل الأشم في وجه المحن ، وظل يذكر إحسانها وفضلها طوال حياته .

​أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري : الإمام البخاري ربّته أمه ؛ نشأ يتيماً في أحضانها ، وفقد بصره في صغره ، فما استسلمت لليأس ، بل أقبلت على الله بالدعاء والابتهال حتى رد الله عليه بصره ، ثم فرّغت نفسها لتربيته ورعايته حتى صار إمام الدنيا في الحديث .

​ناصر السنة الإمام الشافعي : الإمام الشافعي ربّته أمه ؛ نشأ يتيماً فقيراً في غزة ، فحملته إلى مكة المكرمة حرصاً على نسبه وتعليمه ، ورعته وصبرت على الفقر حتى أصبح صاحب المذهب الشهير وأحد أعظم أئمة الإسلام .

​الفاتح العظيم محمد الفاتح : محمد الفاتح ربّته أمه ، ليكون فاتح القسطنطينية . كانت تأخذه وهو صبي صغير صبيحة كل يوم ، وتشير له إلى أسوار القسطنطينية وتقول له : « يا محمد ، أنت الفاتح الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنت الذي تفتح هذه المدينة » ، فغرست في روحه همة الملوك وأمل الفاتحين حتى تحقق الوعد على يديه .

​الحافظ ابن حجر العسقلاني : الحافظ ابن حجر ربّته أخته ، تولت أخته الفاضلة « ست الركب » رعايته والعناية به بعد وفاة والديه ، وكانت ذات فضل وعلم وخلق ، فأحاطته بحنانها وحثتها على طلب العلم حتى غدا أمير المؤمنين في الحديث في زمانه .

​شيخ الإسلام ابن تيمية : وابن تيمية كانت جدته تُسمّى « تيمية » ، وكانت واعظة وعالمة بالدين ، فنُسب بيت العلم إليها وعُرف بها ، ليبقى اسمها خالداً في اسم واحد من أكبر علماء الأمة ومجدديها .

​هيا بنت عثمان ( أم الشيخ عبد العزيز بن باز ) : ربت ابنها يتيماً بعد وفاة أبيه وهو صغير ، ولما كف بصره في شبابها دعت الله له بالبصيرة والعلم ، وحثته على ملازمة العلماء والصبر في طلب العلم حتى غدا مفتي الأمة وعالمها .

​المعنى والأبعاد التربوية والاجتماعية :

​تتجلى في هذه الشواهد العظيمة أبعاد تربوية واجتماعية عميقة تؤكد محورية دور المرأة في مختلف مراحل الحياة :

​الأم صانعة المشروع الأسري : إن الأم التي تحمل وتضع وتربي وتعلم وتوجه وتتابع وتترقب نشأة الأسرة قولاً وفعلاً هي المحور الحقيقي في صناعة الرجال وبناء جيل المستقبل .

​دور الأب بين الدعم والتحطيم : يبرز هنا تباين الأدوار الأبوية ؛ فالرجل إما أن يكون أباً داعماً ومحفزاً لأبنائه يسند مسيرة الأسرة ، وإما أن يكون محبطاً ومحطماً للطموح ، مما يجعل مسؤولية الأم أشد عظماً في سد الفراغ وتحقيق التوازن التربوي والنفسي .

​الأم المدرسة الأساسية : ليست وظيفة الأم محصورة في الشؤون المادية للبيت فحسب ، بل إن وظيفتها الأساسية هي غرس الأخلاق وتوجيه الأبناء نحو المعالي ، كما قال الشاعر :

الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيب الأعراق

​المرأة سند الزوج وركيزة نجاحه : إن المرأة الشريكة الصالحة تقف بجوار زوجها في أحلك الظروف ، يلجأ إليها ليستنير برأيها ويستمد منها القوة والسكينة ، ولا يُنكر رجل صادق أن كثيراً من نجاحاته كان أساسها دعم زوجته ومشاركتها له في رحلة الحياة .

​التربية السوية وحماية المجتمع : الزوجة والأم هي المدرسة الأولى التي تصنع الشباب ذوي المبادئ والأخلاق الرفيعة . فكلما غمرت الأم طفلها بالحب والرعاية زاد بره وقربه ، وحمته تربيتها السليمة من مفاسد الحياة وآفاتها .

​المسؤولية التكاملية وصلاح البيت : يرى التربويون أن دور المرأة محوري في الرعاية وزرع القيم والأخلاق منذ الطفولة المبكرة . وإذا صلحت المرأة صلح البيت والمجتمع وكل شيء ، فالتربية السوية هي التي تُخرج أجيالاً قادرة على البناء والعطاء .

​الاستثمار في الإنسان : إن قوة المجتمع ونهضته تبدأ من البيت ، والتربية المؤمنة الصابرة هي الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره ممتداً عبر الأجيال والقرون .

​المرأة : الغراس الطيب والأثر الخالد :

​إن هذه النماذج الخالدة تؤكد أن قوة المجتمع ونهضته تبدأ من البيت ، وأن أثر المرأة لا يقتصر على حدود زمانها ، بل يمتد عبر الأجيال والقرون من خلال العظماء الذين صاغت نفوسهم ورسّخت قيمهم . فالمرأة حين ترعى طفلها ، لا تربي فرداً فحسب ، بل تبني أمة ، وتصنع تاريخاً ، وتزرع خيراً يمتد أثره ليعمّ الإنسانية جمعاء .

​تحية إجلال وإكبار لكل أم ، وزوجة ، وأخت ، وجدّة ، عرفت قدر رسالتها ، فصبرت وأحسنت ، وجعلت من بيتها مصنعاً للرجال ، ومشرقاً للقيم ، وحصناً للأخلاق والعلم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) السير والتراجم والتاريخ الإسلامي ( السير ، طبقات الحفاظ ، تاريخ بغداد ، وسير أعلام النبلاء ) .
  3. 2 ) شبكة صيد الفوائد الإسلامية ، قسم المرأة والتربية ، مقالات وأبحاث في صياغة الأجيال ورعاية الأمهات .
  4. 3 ) جريدة الراي الكويتية ، مقالات وبحوث تربوية واجتماعية في دور المرأة وصناعة الأجيال .
  5. 4 ) صحيفة عكاظ ، مقالات وأبحاث تربوية حول أثر الأسرة والمرأة في تنشئة القيادات والعلماء .
  6. 5 ) شبكة الألوكة الثقافية ، قسم التربية والمجتمع ، دراسات في التربية الإسلامية ودور الأم في صناعة الأبطال .
  7. 6 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ، مقالات وأبحاث في التربية والتاريخ الإسلامي والفكر العربي .