يتناول المقال معجزة خلق الماء واليابسة في القرآن الكريم مستعرضاً دلالاتها الموضوعية وأنواعها وتوازنها البيئي والإعجاز العددي فيها .
المعجزة الجغرافية والكونية : الماء واليابسة في القرآن الكريم
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يُعدّ القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز ، تتجلى فيه آيات الله المسطورة لتتكامل مع آياته المنظورة في هذا الكون الفسيح . ومن أبرز القضايا الكونية الجغرافية التي تناولها البيان الإلهي بدقة متناهية : قضية " الماء واليابسة " ، وكيفية انتظامهما في إطار بيئي ودقيق يضمن استمرار الحياة على كوكب الأرض .
دلالات المياه وأبعادها الموضوعية في القرآن الكريم :
أكدت الدراسات الموضوعية المعاصرة لعناية القرآن الكريم بالماء أن آياته مبثوثة بكثافة تعكس عظمته ومنزلته الكبرى في الوجود ؛ فقد ورد ذكر الماء في أكثر من نصف سور القرآن الكريم ، وتناول قصص خمسة عشر نبياً من الأنبياء عليهم السلام .
وتتعدد معاني وأوصاف الماء في البيان القرآني لتشمل حالات المطر والسحاب والبرد والينابيع والأنهار والماء السائل العذب والأجاج ، وامتدت سياقاته لتشمل :
سياق إثبات الربوبية والوحدانية وخلق السماوات والأرض على الماء .
سياق الامتنان والتسخير والتذكير بنعمة إنزال الماء بقدر محتوم .
سياق إثبات القدرة على البعث والنشور وضرب الأمثال .
سياق الأحكام الشرعية كالوضوء والغسل ، وسياقات الإخبار التاريخي والأخروي .
المعجزة الإلهية في خلق الماء وأسرار الاستعمال القرآني :
الماء من أعظم مخلوقات الله عز وجل ومن أولها في الوجود ، وقد جعله الله أساس الحياة وعنصرها الذي تبدأ منه وتتقوم به ، كما قال تعالى : « أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ » . وقد ورد ذكر مشتقات الماء ( كلفظ الماء ، وماءك ، وماءها ، وماؤكم ) في القرآن الكريم بنسق دقيق وبلاغة إلهية فائقة تعكس عظمة الصنعة .
ومن أسرار الاستعمال القرآني للماء :
نزول ماء السماء بقدر : قال تعالى : « وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ » . فهذا الإنزال المحسوب بحكمة وتدبير لا يزيد فيغرق ويفسد ، ولا يقل فيحدث الجدب والمحل ، وهو مستكن وخازن لفوائد الحياة في قرار مكين .
نعمة العذوبة والتسخير : تذكير الإنسان الدائم بأنه عاجز عن إنشاء الماء أو إنزاله من المزن ، ولولا فضل الله لجعل هذا الماء أجاجاً مالحاً لا يستساغ ، قال تعالى : « أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ » .
أصل الحياة والتوازن المائي :
1 ) أصل الحياة من الماء : بين الإعجاز العلمي والقرآني أن الماء هو عماد الخلقة ومادة الحياة الأساسية . قال تعالى : « وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ » . فالماء ليس مجرد عنصر طبيعي ، بل هو السر الإلهي المودع في كينونة الأحياء .
2 ) دور اليابسة في الاستقرار والرسو : أنشأ الله اليابسة وجعل فيها الجبال رواسي لكي تستقر عليها الحياة ولا تميد بالبشر . قال تعالى : « وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » . فالجبال والجزر والسهول تشكل الدعامة الصلبة التي تبنى عليها الحضارات .
لغز الإعجاز العددي بين التناسب ورأي الباحثين :
عند تأمل النص القرآني بلغة الأرقام والإحصاء ، وما توضحه معاجم معاني القرآن الكريم من استقراء الجذور اللفظية المرتبطة بمفردات البر والبحر واليبس ، كشفت الدراسات التي تناولت لغز الإعجاز العددي عن لطيفة إحصائية تربط بين تكرار ألفاظ البر والبحر وبين النسبة الجغرافية الفعلية لليابسة والماء :
تكرار لفظ " البحر " ( ومشتقاته الدالة على الماء الفسيح ) : ورد 32 مرة .
تكرار لفظ " البر " ( أو اليابسة ) : ورد 13 مرة .
وعند جمع المجموع الإجمالي للتكرارات : 32 ( بحر ) + 13 ( بر ) = 45 .
نسبة الماء المئوية : ( 32 ÷ 45 ) × 100 = 71.11 % تقريباً .
نسبة اليابسة المئوية : ( 13 ÷ 45 ) × 100 = 28.89 % تقريباً .
ويرى المؤيدون لهذا الطرح أن حل هذا اللغز الرقمي الدقيق بين نسبة 71.11 % للماء و 28.89 % لليابسة يطابق المساحة المساحية الحقيقية المعلومة جغرافياً على سطح كوكب الأرض . وفي المقابل ، يشير فريق من الباحثين والناقدين إلى وجوب توخي الحذر المنهجي في دراسات الإعجاز العددي ، موضحين أن انتقاء ألفاظ معينة بدلاً من غيرها ( كاحتساب كلمة " البحر " واستبعاد ألفاظ أخرى كـ " اليم " أو " الأرض " ) يتأثر أحياناً بأسلوب الحصر والاستقراء البشري ، مؤكدين أن إعجاز القرآن الأساسي يكمن في هدايته وبلاغته ودلالاته الإيمانية والأخلاقية .
البرزخ المائي وحفظ التوازن البيئي :
من أبدع ما لفت القرآن الكريم إليه الأبصار : حركة المياه والتقاؤها دون أن يطغى عنصر على آخر . قال تعالى : « مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ » .
وقد أثبت العلم الحديث وجود حاجز مائي وفوارق في الكثافة والملوحة والحرارة تمنع اختلاط مياه البحار والمحيطات المجهزة بخصائص بيئية مختلفة ، مما يحفظ الكائنات البحرية والبيئة المائية من الاختلال .
مساحات التدبر وحفظ النعم :
إن استشعار نعمة المأوى على اليابسة ونعمة السقيا والركوب في البحر يفرض على الإنسان حماية هذه الموارد وعمارتها بالخير ، وتجنب الفساد والتلويث . قال تعالى : « ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » .
خاتمة :
يبقى القرآن الكريم المعين الذي لا ينضب ، والمصدر الهادي للتفكير والتدبر . وإن النسبة المحكمة والتوازنات البيئية بين الماء واليابسة ليست إلا شاهدًا يقينيًا على قدرة البارئ جل وعلا وحدانيته .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) الماء في القرآن الكريم ( دراسة موضوعية ) ، أ . محمد يحيى طاهر ، مجلة الجامعة للدراسات الإسلامية ( عقيدة – تفسير – حديث ) ، الجامعة الإسلامية بغزة ، المجلد 29 ، العدد 1 ، 2021 م .
- 3 ) المعجزة الإلهية في خلق الماء وكيفية الاستعمال القرآني لها ، مقال تحليلي ، موقع الجزيرة نت ، 2021 م .
- 4 ) معجم المعاني الجامع ( استقراء دلالات وجذور مفردات البر والبحر واليبس والماء في القرآن الكريم ) .
- 5 ) المياه والرياح في القرآن مع ما تحدث العلم الحديث بشأنهما ، د . عبد الرحمن هشبول الشهري ( رسالة دكتوراه ) .
- 6 ) الماء في القرآن الكريم ( دراسة موضوعية ) ، فتحي عبد العزيز العبادسة ( رسالة ماجستير ) .
- 7 ) منتدى الإعجاز العلمي واللغوي في القرآن الكريم والسنة المطهرة ( أبحاث وأنواع المياه ودلالاتها التشخيصية والعلمية ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.