يستعرض المقال الحضور التاريخي والوطني الراسخ للعائلات المسيحية في إربد، مسلطاً الضوء على إسهاماتهم الرائدة في مختلف المجالات التربوية، المهنية، الاقتصادية، والسياسية، كجزء أصيل من نسيج المجتمع الأردني.
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
إن الوجود المسيحي في محافظة إربد ليس مجرد نسيج سكاني ، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية الأردنية . فعلى مدى قرون ، تداخلت هذه العائلات مع محيطها العشائري في منظومة من التآلف والعيش المشترك التي جعلت من إربد نموذجاً حضارياً يحتذى به في التسامح ، حيث ارتبط الجميع بوحدة اللغة ، والمصير ، والمشاركة في بناء صروح الوطن .
ونؤكد هنا أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في محافظة إربد هي علاقة طيبة ورائعة ، تقوم على أسس متينة من التعاون والمودة والمحبة ، والزيارات المتبادلة في الأعياد والمناسبات الاجتماعية التي تجسد روح الأخوة واللحمة الوطنية .
أولاً : الخارطة الديموغرافية والاجتماعية للعائلات
1 ) جذور التكوين السكاني : يتوزع الوجود المسيحي بين عائلات أصلية متجذرة منذ القدم ، وعائلات وفدت واستقرت ، سواء من بلاد الشام أو من مدن أردنية أخرى كـ ( الكرك ، الفحيص ، السلط ، ومادبا ) ، نتيجة لعوامل الوظيفة والنسب والمصاهرة .
2 ) مدينة إربد ( المركز ) : تضم عائلات عريقة ، منها : ( آل حداد ، آل فركوح ، آل زيتون ، آل الخوري ، آل يارد ، آل جادالله ، آل ساووق ، آل حنوش ، آل قندح ، آل نصراوي ، آل سماوي ، آل بدوان القطامي ، آل المارديني ، آل الرزق ، آل البيروتي ، وآل الريحاني ) .
3 ) بلدة الحصن ( لواء بني عبيد ) : المركز التاريخي الأبرز ، وتضم عشائر : ( النمري ، غنما ، الحداد ، جوينات ، العميشات ، آل البيروتي ، آل الريحاني ، وآل طاشمان ) .
4 ) بلدات إربد الأخرى : شهدت تواجد عائلات في بلدات مثل شطنا ( عشائر الدحابرة ، عياش ) ، الصريح ( آل مرجي ، السمردلي ، الزوايدة ، المقاطيش ) ، وبشرى ، كفر عوان ، الطيبة ، وحرثا .
ثانياً : الوجود المسيحي في بلدة حوارة ( سكن وتربية )
رغم عدم وجود استيطان دائم لعائلات مسيحية في حوارة ، إلا أن البلدة شهدت تردد قامات تربوية عليها ، أبرزهم الأستاذ يعقوب مقطش ( أبو سامر ) ، الذي عمل مدرساً في كلية مجتمع حوارة ومدرسة وصفي التل الصناعية ، وسكن في منزل المرحوم وحيد الغرايبة ، مندمجاً مع أهالي البلدة .
كما كان للمعلمات من العائلات المسيحية دور تربوي مشهود ورائد في ( روضة حوارة ) و ( مدرسة حوارة الثانوية للبنات ) على مدى عقود ( 1950م - 1990م ) ، حيث تركن بصمة تربوية وأكاديمية لا تنسى في مسيرة بنات حوارة التعليمية ، ومنهن : ناديا وماري أبو رحمون ، تيريز جورج ، أدما إسحاق ، عفاف خوري ، مي مرجي ، ريتا بدوان ، عفاف جوينات ، رشا النمري ، نبيهة بيروتي ، أسمهان عويس ، عبلة بيروتي ، كرما فاخوري ، رابحة أيوب ، مها عماري ، يسرى عباسي ، هنود مرجي ، كميليا حداد ، هيلدا النمري ، ناديا عماري ، هيلين أزروعي ، إقبال جبارنة ، وأسماء مرجي .
ولا ننسى ذكرى الزميل مهند عميش ، الذي كان يقطن مع والده الضابط في الجيش العربي في " إسكان الضباط " في مدينة إربد الواقع على طريق حوارة ، حيث جمعتنا مقاعد الدراسة في مدرسة التطبيقات .
ثالثاً : الانتماءات والطوائف الكنسية
يتسم الحضور المسيحي بتعددية طائفية غنية تتبع للمؤسسات الكنسية الوطنية والشرقية ، وأبرزها : ( الروم الأرثوذكس ، الروم الكاثوليك ، اللاتين ، البروتستانت ، الأرمن الأرثوذكس ، السريان الأرثوذكس ، الكلدان ، والأقباط ) .
رابعاً : الإسهامات المهنية ، التجارية ، والصناعية
1 ) النهضة الطبية : تأسيس مراكز ومستشفيات رائدة ، أبرزها ( مستشفى الرهبات ) ، وتأسيس العديد من الصيدليات المتميزة ، وقد برز من بين هذه القامات الطبية الدكتور نادر أبو الشعر الذي قدم خدمات جليلة للوطن وأبناء المجتمع .
2 ) قطاع المحاماة والقانون : برز منهم محامون متميزون أسسوا مكاتب للمحاماة والاستشارات القانونية ، حيث عملوا كمستشارين للعديد من الشركات والمؤسسات ، وكان لهم دور محوري في الدفاع عن الحق والعدالة في أروقة المحاكم الأردنية .
3 ) قطاع التجارة والأسواق : برز حضورهم بقوة في قلب إربد التجاري ، لا سيما في شارع السينما الذي احتضن محلات الألبسة والأحذية ، وسوق الصاغة الذي شهد إبداعهم في صياغة الذهب والمجوهرات . كما شمل نشاطهم محلات الخضار والفاكهة ، الملاحم ، الأدوات المنزلية ، ومتاجر التجميل والإكسسوارات .
4 ) الخدمات المالية واللوجستية : كان للمسيحيين دور فاعل في تأسيس شركات تخليص البضائع التي سهلت الحركة التجارية ، بالإضافة إلى تأسيس وإدارة محلات الصرافة التي لعبت دوراً حيوياً في تنشيط الاقتصاد المحلي .
5 ) قطاع المطاعم والضيافة : دور ريادي في تطوير قطاع المطاعم والضيافة في إربد ، حيث قدموا نماذج متميزة في تقديم الخدمات الغذائية التي أضفت طابعاً خاصاً على الحركة التجارية للمدينة .
6 ) القطاع الصناعي والغذائي : دور ريادي في تأسيس مصانع الأغذية ، وورش النجارة والحدادة ، وتجارة قطع غيار السيارات والمعدات والآليات الثقيلة .
7 ) الخدمات والمهن الحرة : حضور متميز في تقديم الاستشارات الهندسية ، المحاسبة ، وإدارة المؤسسات ، مع مواكبة متقدمة للتقدم العلمي والتكنولوجي في الميادين التقنية الحديثة .
8 ) النهضة التعليمية : إنشاء شبكة مدارس خرّجت أجيالاً ساهمت في تطور التعليم وطنياً ، وتولى العديد منهم مناصب أكاديمية وتربوية رفيعة ، وعلى رأسهم القامات التربوية : ( باسم السماوي ، فرحان النمري ، عقلة معاية ، الياس عيلبوني ، حنا حداد ، وغيرهم ممن تركوا أثراً لا ينسى في نفوس طلبتهم ) .
خامساً : الدور الروحي والكنسي
لم يقتصر دور أبناء العائلات المسيحية على الميادين المهنية والاجتماعية ، بل برز منهم قامات دينية جليلة نذرت حياتها للخدمة الروحية . فقد تولى العديد منهم مهام رعوية ككهنة وخدام في كنائس مدينة إربد والمحافظة ، ولم يقتصر عطاؤهم على النطاق المحلي ، بل امتدت خدماتهم الروحية والإنسانية لتشمل كنائس في الدول المجاورة وفي أماكن مختلفة من العالم ، مما يعكس رسالتهم النبيلة في نشر قيم المحبة والسلام .
سادساً : القامات السياسية ، البرلمانية ، والاقتصادية
- الخدمة العامة والوزارة : القامة الاقتصادية الوطنية الكبيرة خليل السالم ( مؤسس البنك المركزي الأردني ) ، والوزير باسم خليل السالم .
- مجلس الأعيان : العين الدكتور يعقوب حداد .
- مجلس النواب : الدكتور نادر أبو الشعر ( الذي جمع بين دوره كطبيب وخدمته في مجلس النواب ) ، راجي نور حداد ، ديب مرجي ، ونبيه معمر .
- الخدمة العسكرية : سجل أبناء العائلات المسيحية حضوراً قيادياً في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية .
سابعاً : الثقافة ، الفن ، الأكاديميا ، والرياضة
- الأكاديميون والمؤرخون : المؤرخ الأردني المبدع سليمان الموسى ( مرجع تاريخ الأردن الحديث ) ، الدكتورة هند أبو الشعر ( صاحبة الفكر النير في التاريخ العثماني والحديث ) ، إلى جانب الدكتور عصام الموسى ، الدكتور جورج حداد ، الدكتور رشاد الخوري ، الدكتور نبيل حداد ، والدكتور مهنا حداد .
- الأدباء والشعراء : إدوارد حداد ، سامي خوري جوينات ، ويعقوب نصر عازر .
- الفن والموسيقى والطهي : القامة الفنية الكبيرة المطرب توفيق النمري ( ابن بلدة الحصن ) ، بالإضافة إلى فارس النمري . كما يبرز اسم المبدعة الشيف علا طاشمان التي قدمت نموذجاً استثنائياً في فن الطهي والضيافة ، محققةً نجاحاً لافتاً يعكس إبداع أبناء إربد في الميادين المهنية والفنية المتنوعة .
- الرياضة : سجل أبناء المسيحيين في إربد حضوراً لافتاً في الملاعب والرياضات المختلفة ، وعلى رأسهم الكابتن إحسان حداد ، إلى جانب كوكبة من اللاعبين المبدعين الذين مثلوا الأندية والمنتخبات الوطنية في شتى الميادين الرياضية .
يبقى هذا التوثيق نبضاً حياً يؤكد أن أبناء العائلات المسيحية في إربد كانوا وما زالوا جزءاً لا يتجزأ من مسيرة النهضة الأردنية ، حملوا أمانة البناء والتميز في كل موقع ، فتركت بصماتهم علامة فارقة في سجل الوطن ، لتظل سيرتهم ومسيرتهم مصابيح تضيء دروب الأجيال القادمة ، وتؤكد أن وحدة النسيج الأردني هي القوة الحقيقية التي صهرت الجميع في بوتقة الانتماء لهذا الثرى الطهور .
أتقدم بالامتنان للصديق الحميم والعزيز السيد نبيل رزق ، ابن إحدى العائلات المسيحية العريقة في مدينة إربد ، والذي كان يعمل في قطاع تجارة الحديد قبل تقاعده ، حيث كان لمعلوماته القيمة الدور الكبير في إثراء هذا المقال ، كما يمتد الامتنان للمربية الفاضلة سميرة غازي الغرايبة ( أم فارس ) ، التي زودتني بالمعلومات الدقيقة عن المعلمات اللواتي أسهمن في المسيرة التربوية في بلدة حوارة .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) أرشيف مذكرات العائلات في الحصن وإربد .
2 ) المراجع التاريخية للمؤرخ سليمان الموسى ، التوثيق الأكاديمي للدكتورة هند أبو الشعر وللدكتور عصام الموسى .
3 ) الذاكرة الشعبية لأهالي إربد .
4 ) السجلات التاريخية لمجلسي الأعيان والنواب الأردني .
5 ) السجلات المهنية والعسكرية والمؤسسات الصحية والتعليمية الموثقة في محافظة إربد .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أرشيف مذكرات العائلات في الحصن وإربد .
- 2 ) المراجع التاريخية للمؤرخ سليمان الموسى ، التوثيق الأكاديمي للدكتورة هند أبو الشعر وللدكتور عصام الموسى .
- 3 ) الذاكرة الشعبية لأهالي إربد .
- 4 ) السجلات التاريخية لمجلسي الأعيان والنواب الأردني .
- 5 ) السجلات المهنية والعسكرية والمؤسسات الصحية والتعليمية الموثقة في محافظة إربد .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.