يتناول هذا المقال مسيرة قطاع الفوسفات في الأردن وتطوره التاريخي والاقتصادي من الرصيفة إلى الشيدية وصولاً إلى الاكتشافات الواعدة حديثاً في الريشة.

الفوسفات الذهب الأبيض الأردني : تاريخ التعدين والاقتصاد من الرصيفة إلى الشيدية

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعد قطاع الفوسفات في الأردن واحداً من أهم الأعمدة التاريخية والتعدينية التي قام عليها هيكل الدولة الأردنية الحديثة . فهذه الثروة الاستراتيجية التي تُعرف مجازاً بـ " الذهب الأبيض الأردني " - البديل الاقتصادي والسيادي الذي عوّض بلادنا عن غياب آبار " الذهب الأسود " ( النفط ) - لم تكن مجرد مواد مستخرجة فحسب ، بل كانت قصة كفاح وتطوير استراتيجي امتدت لأكثر من قرن ، واكبت محطات مفصلية في تاريخ المملكة وساهمت في رسم ملامح حضورها على خريطة التجارة العالمية .

وما الفوسفات إلا صخور رسوبية طبيعية غنية بمعدن الفوسفات الذي يحتوي على عنصري الفوسفور والكالسيوم الأساسيين ، وتتكون هذه المادة الحيوية نتيجة تراكم بقايا الكائنات البحرية العضوية عبر ملايين السنين في أحواض بحرية قديمة غطت أراضي المنطقة . وتكمن الأهمية القصوى لهذه المادة في كونها العصب الرئيسي لإنتاج الأسمدة الكيماوية ومركبات الفوسفور التي لا غنى عنها لقطاع الزراعة والأمن الغذائي العالمي ، فضلاً عن استخداماتها الواسعة في الصناعات الكيماوية المختلفة والمبيدات ومنتجات العلف الحيواني .

​أولاً : جذور التاريخ والتأسيس المبكر

​للموضوع جذر تاريخي يعود إلى عام 1908 م عندما تم اكتشاف الفوسفات لأول مرة أثناء أعمال بناء الخط الحديدي الحجازي في الرصيفة . أما في إمارة شرقي الأردن ، فالصيدلاني أمين قعوار ( خريج كلية الصيدلة في الجامعة الأمريكية ) كان على معرفة بـ ليدجر الذي كان عام 1922 م رئيساً لديوان دار الاعتماد البريطانية في عمان .

​عرّف ليدجر قعوار على مهندس المناجم البريطاني هانكوك مع الاتصال بزميلين مصريين هما إدوارد الألفي ومحمد الهواري . بدأوا العمل والتنقيب وتأكدوا من وجود الفوسفات بكميات تجارية في الأردن وتحديداً في الرصيفة وبعدها الحسا . فاستصدر قعوار رخصة التنقيب الأولى عام 1936 م ، وكان التصدير يتم إلى فلسطين . وتم تأسيس شركة خاصة عام 1946 م ، وكان تسجيلها قبل دخول الحكومة فيها عام 1949 م وتأسيس شركة مناجم الفوسفات الأردنية رسمياً لتصبح عماداً رئيسياً للاقتصاد الوطني ، وظهر قيد لاحق لها عام 1953 م حيث دخلت الحكومة في شراكة إدارتها وتطويرها وتحويلها إلى شركة مساهمة عامة .

​ثانياً : محطات تاريخية زمنية ( من انطلاقة الرصيفة إلى عملاق الشيدية )

​إليك التسلسل الزمني الدقيق لأبرز المحطات والتواريخ الفارقة في مسيرة هذا القطاع العريق استناداً إلى الأرشيف والوثائق الرسمية :

​1 ) 1908 م : الاكتشاف الأول لخامات الفوسفات في الأردن ، وتحديداً في منطقة الرصيفة خلال أعمال مد سكة الحديد الحجازية .

2 ) 1935 م :


​ثالثاً : مسيرة التطور والبناء الاقتصادي وأهمية القطاع للدولة

​1 ) البدايات والخطوات الأولى ( 1908 م - 1953 م ) :

تعود قصة الفوسفات إلى عام 1908 م حين لفتت الخامات انتباه العاملين على سكة الحجاز في الرصيفة . وظلت هذه الاكتشافات حبيسة المعاينة حتى جاءت جهود الرواد الأوائل بقيادة أمين قعوار والجهات البريطانية والمصرية لتشهد الانطلاقة الفعليّة عام 1935 م ، متجاوزة ظروف الحرب ليتوج عام 1949 م بتأسيس الشركة الرسمية وعام 1953 م بدخول الحكومة كشريك رئيسي لإدارتها وتطويرها . وتوثق الذاكرة الوطنية زيارة الملك عبدالله الأول لمنجم الرصيفة في الأربعينيات ، تلتها زيارة الملك حسين للمنجم عام 1953 م .

​2 ) التوسع نحو الجنوب ومناجم الوسط ( الستينيات والسبعينيات ) :

مع التوسع الطبيعي واستنزاف أجزاء من مخزون الرصيفة ، انطلقت الجهود نحو الصحراء الجنوبية ، فكان افتتاح منجم الحسا عام 1962 م ثم منجم الوادي الأبيض عام 1979 م ، لتتحول هذه المواقع إلى شريان حيوي يدعم قدرات الأردن التصديرية وينشئ مجتمعات عمرانية متكاملة لخدمة العاملين .

​3 ) العصر الحديث وصناعة القيمة المضافة وعصب الاقتصاد الوطني :

شهد الثمانينيات تحولاً استراتيجياً نوعياً مع دخول المجمع الصناعي للخدمة عام 1982 م وبدء الإنتاج والتشغيل في منجم الشيدية الواسع عام 1988 م ، والذي يُعد الخزان الاستراتيجي الأبرز للفوسفات عالي الجودة في العالم . ولم يقتصر دور الدولة على استخراج وتصدير المادة الخام فحسب ، بل اتجه الأردن بحكمة نحو الصناعات التحويلية ، لنصنع من الفوسفات الخام منتجات حيوية ذات قيمة مضافة عالية تغذي الأسواق العالمية . ويكمن سر الأهمية الكبرى لهذا القطاع بالنسبة للدولة الأردنية في اعتباره رافداً رئيسياً للخزينة العامة ومولداً أساسياً للعملة الصعبة ، فضلاً عن دوره الاستراتيجي في توفير آلاف فرص العمل للكوادر الوطنية وتنشيط حركة الموانئ والشحن والنقل الداخلي ، لاسيما مع تحقيق الشركة مستويات إنتاجية وتسويقية ضخمة تجاوزت الملايين من الأطنان سنوياً لتعزيز مكانة الأردن على الخريطة الدولية .

​4 ) محطة الرصيفة : طي صفحة التعدين وبدء الذاكرة الوطنية :

إن منجم الرصيفة الذي انطلق منه التاريخ عام 1935 م ، أغلق بابه التعديني عام 1985 م حفاظاً على صحة المواطنين ونموهم العمراني ، ليتحول من موقع استخراج صناعي إلى معلم تاريخي وذاكرة حية في وجدان محافظة الزرقاء وأبناء الوطن .

​5 ) الآفاق الواعدة والاكتشافات الجديدة ( امتدادات المستقبل ) :

إلى جانب المناجم التقليدية العاملة كالحسا والوادي الأبيض والشيدية، تتكشف تباعاً آفاق جغرافية واعدة ضمن الحزام الفوسفاتي الممتد في البادية الأردنية، والتي تمثل خزانات استراتيجية كبرى قيد الدراسة والتطوير. وفي مقدمة هذه الاكتشافات الحديثة تبرز منطقة الريشة في شرق المملكة، والتي أثبتت الدراسات الجيولوجية احتوائها على احتياطي أولي ضخم يقدر بنحو سبعمائة مليون طن متري من خامات الفوسفات عالية الجودة ومنخفضة الشوائب، إلى جانب تراكيز مؤملة من العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم؛ وهو ما يفتح باباً واسعاً أمام خطط التحديث الاقتصادي لاستقطاب الاستثمارات النوعية وإقامة صناعات تحويلية متقدمة تعظم القيمة المضافة لهذا الذهب الأبيض وتكرس ريادة الأردن التعدينية في المستقبل.

​إن مسيرة الفوسفات في الأردن - التي انطلقت من عتبات السكك الحديدية وصولاً إلى مجمعات الشيدية والعقبة المتطورة اليوم، وامتدت نحو آفاق البادية الواعدة في الريشة - هي مرآة ناصعة لقدرة الأردن على تحويل تحديات الجغرافيا وشح الموارد إلى قصص نجاح صناعية . لقد ثبت للجميع أن هذا " الذهب الأبيض الأردني " هو البديل السيادي الذي نعتمد عليه لنعوض به غياب الذهب الأسود ، ليغدو الفوسفات حقاً سفير الاقتصاد الأردني في الأسواق العالمية ، ورافداً أساسياً من روافد البناء والمنعة الوطنية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 ) السردية الأردنية التاريخية الموثقة .
  3. 2 ) دراسات وبحوث الدكتور سلطان الرصيفان العبادي حول تاريخ الفوسفات في الأردن .
  4. 3 ) وثائق ومستندات تأسيس الشركة في الجريدة الرسمية ( لعام 1949 م ) .
  5. 4 ) الأرشيف الوطني المصور ( زيارة الملك عبدالله الأول لمنجم الرصيفة في الأربعينيات ، وزيارة الملك حسين للمنجم عام 1953 م ) .
  6. 5 ) موقع شركة مناجم الفوسفات الأردنية الرسمي ( JPMC ) .
  7. 6 ) منصة زمانكم التاريخية للأرشيف الأردني .
  8. 7 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) - تاريخ الفوسفات في الأردن .
  9. 8 ) التقارير الصحفية والاقتصادية الموثقة لوكالة الأنباء الاردنية وموقع عمون الإخباري .