يؤكد المقال عراقة جذور فلسطين التاريخية ويفند الأساطير الصهيونية حول أصول يهود شرق أوروبا عبر إثبات انحدارهم من إمبراطورية الخزر .
بقلم : قيصر صالح الغرايبه
تتوالى الأطروحات السطحية أحياناً من قبل أصوات تفتقر إلى أبسط أبجديات البحث العلمي والتوثيق الأكاديمي ، لتنفي وجود فلسطين والفلسطينيين على أرضهم التاريخية قبل قيام الكيان الصهيوني ، إن هؤلاء الذين يتكلمون في التاريخ وعلم التاريخ منهم براء ، يتجاهلون حقيقة ساطعة كشمس النهار تؤكدها أدبيات الأمم ومصادر الإنسانية جمعاء ، ففلسطين حاضرة بجذورها العميقة في كتابات المؤرخين اليونان والرومان ، ومذكورة بوضوح تام في النقوش الآشورية والآرامية والفرعونية وغيرها الكثير من المدونات التاريخية الموثقة ، وهو أمر مُسلّم به ومفروغ منه في دوائر البحث العلمي التاريخي العالمية ، بما في ذلك مؤلفات وبحوث المؤرخين اليهود أنفسهم الذين أقروا بعمق الأصول الفلسطينية المتجذرة في هذه الأرض الطاهرة عبر آلاف السنين ، بعيداً عن الروايات الاستيطانية المختلقة والمبتسرة التي تسعى لقلب الحقائق التاريخية وتزييف الوعي الجمعي الإنساني وتغييب ذاكرة الشتات الفلسطيني وأبناء الناجين من النكبة الذين يمثلون امتداداً حياً لحركة التحرر الوطني وجوهر القضية الأبدية .
الخلط بين المصطلحات : بنو إسرائيل واليهود :
تكمن الإشكالية الكبرى لدى هؤلاء الجهلة في الخلط المتعمد أو الجاهل بين مسميات تاريخية وعقائدية مختلفة تماماً ، وهي : بنو إسرائيل ، واليهود ، واليهودية ، فوفقاً للرواية التوراتية نفسها ، فإن " إسرائيل " هو النبي يعقوب عليه السلام ، الذي حصل على هذا اللقب وفق سياق وتاريخ تلك المدونات ، وعلى هذا أُطلق على نسله حصراً اسم " بني إسرائيل " ، هؤلاء هم ببساطة بقايا نسله التاريخي الذين عاشوا ولا زالوا في فلسطين وبعض البلدان المحيطة بها ، ومثلوا جزءاً من النسيج البشري والحضاري المتنوع في المنطقة عبر العصور القديمة .
أما يهود شرق أوروبا وغربها ، فلا يمتون بأي صلة نسبية ليعقوب ( إسرائيل ) ، ومثلهم تماماً اليهود الروس ويهود الفلاشا الأفارقة ( إثيوبيا ) وغيرهم من الجماعات والأعراق المختلفة التي اعتنقت اليهودية عبر التاريخ في مناطق جغرافية متباينة وبواسطة التبشير أو التحول الديني السياسي ، وهذا ما جلاه بوضوح تام المؤرخ اليهودي آرثر كويستلر ( Arthur Koestler ) في سفره التاريخي الهام " القبيلة الثالثة عشرة " ( The Thirteenth Tribe ) ، مدعوماً بأحدث الدراسات الجينية والأنثروبولوجية المعاصرة التي اثبتت قاطعاً انفصال هذه الجماعات جذرياً عن شعوب الشرق الأدنى القديم وعن بني إسرائيل التاريخيين .
إمبراطورية الخزر والأصل التاريخي لتهويد شرق أوروبا :
من المعلوم تاريخياً أن الملك بوزان ( أو بوران ) : أحد ملوك الخزر في أواخر القرن السابع الميلادي ، ارتبط اسمه بالبيزنطيين ، ويُنسب إليه في بعض الروايات بدء تحوّل خاقانية الخزر نحو الديانة اليهودية ، حيث اعتنق الديانة اليهودية في العصر العباسي ، وتبعته الطبقة الحاكمة ونخبة المملكة لأسباب سياسية واستراتيجية بحتة تتعلق بالوقوف على الحياد بين الخلافة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية ، ولما تعرضت إمبراطورية الخزر لهجمات واسعة من أمراء الروس وقبائل الفايكنج ( هم شعوب محاربة وبحّارة من شمال أوروبا ، ظهر نفوذهم بصورة بارزة بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين ، انطلقوا أساساً من مناطق اسكندنافيا ، كالنرويج والسويد والدنمارك ، واشتهروا بالرحلات البحرية والتجارة والاستكشاف والغزوات ، ووصلوا إلى مناطق واسعة من أوروبا وشمال الأطلسي ، وقد أسهموا في تأسيس مستوطنات ومراكز تجارية تركت أثراً واضحاً في تاريخ أوروبا ) ، تفرق الخزر شذر مذر ، واستقر قطاع واسع منهم في شرق أوروبا وبخاصة في أوكرانيا وبولندا وهنغاريا ، وكان جزء غير محتمل من مهاجريهم ممن توجهوا نحو الهجرات اللاحقة وتغلغلوا في مجتمعات الشتات الأوروبي ليشكلوا النواة الكبرى لليهود الأشكناز .
وتشتق كلمة " الخزر " لغوية وتاريخياً من ( قاز ) التي أُريقت من فعل الجز التركي العثماني ( وجذمه أو جزمك ) والتي تعني التجوال وعدم الاستقرار ، ثم تطورت لتصبح ( قازار بمعنى جزار ) والتي تعني في دلالتها التاريخية الشخص الذي يتجول حراً ولا يرتبط بأرض أو مكان ثابت ، ووفقاً لكتاب " حدود العالم " ( حدود العالم من المشرق إلى المغرب ) لمؤلف مجهول ، فإن حكام الخزر ينحدرون من سلالة ( ansa ) ، مع وجود ترجيحات علمية بأنهم يعودون بسلالتهم إلى ( أشينا ) مؤسس خانية غوك تورك الغربية الوافدة من آسيا الوسطى ، إضافة إلى احتمالات قوية بارتباط الخزريين تاريخياً بأقوام دولة الهون الكبرى لفترة زمنية معينة ، مما يؤكد بوضوح تام أن الجذور الديموغرافية للقسم الأعظم من يهود العالم المعاصر ترجع إلى آسيا الوسطى وسهوب أوروبا الشرقية لا إلى أرض فلسطين التاريخية .
أدلة قاطعة ومناظرات عالمية :
هذا باختصار عرض مكثف لمسألة الجذور والأصول ، ومن أراد الاستزادة والتعمق فعليه الرجوع إلى كتاب كويستلر المشار إليه آنفاً وما تبعه من مراجع أكاديمية محكمة ، ويمكن للقارئ الكريم أيضاً العودة إلى المناظرة التاريخية والفكرية الهامة التي جرت بين المؤرخ البريطاني البارز والسفير الإسرائيلي في جامعة مكغيل ( McGill University ) في كندا ، والتي صدرت مدونة في كتيب توثيقي بعنوان " دفاعاً عن فلسطين " ، إن هذا الكلام موجه لجهلة التاريخ لعلهم يقرؤون أو يعقلون ، فالتاريخ لا يكتبه الهواة والجاهلون ، بل تصنعه الحقائق والوثائق الدامغة والقرائن العلمية التي لا تقبل التزييف أو التلبيس .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) كويستلر ، آرثر . القبيلة الثالثة عشرة : خزر إمبراطورية ورثتها .
- 2 ) كتاب : حدود العالم من المشرق إلى المغرب ( جغرافية إسلامية تاريخية لمؤلف مجهول ) .
- 3 ) كتيب : دفاعاً عن فلسطين ( توثيق المناظرة التاريخية في جامعة مكغيل بكندا ) .
- 4 ) مدونات ومقالات وأبحاث الأستاذ الدكتور المؤرخ صالح درادكة ( المنشورة على صفحته الرسمية على موقع الفيسبوك ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.