يمثل المقال دراسة تراثية شاملة تناولت تاريخ القهوة العربية وأدوات إعدادها ، ودلالات أسماء الفناجين وآداب تقديمها ، مع إسقاط قيمها الثقافية والاجتماعية على الواقع الأردني والمعاصر .
أصالة الضيافة وعراقة التراث : أنواع الفناجين وأسماؤها ودلالاتها عند العرب
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد القهوة العربية رمزاً من رموز الكرم والشهامة والترحيب بالضيف في الثقافة العربية الأصيلة ، وهي العنوان الأبرز لأخلاقيات المجالس والدواوين التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتقاليد البدو والحضار على حد سواء . ولم تكن القهوة وحدها هي مدار الاحتفاء والتقدير ، بل رافقتها أدوات ومقتنيات دقيقة الصنع والتسمية ، وفي مقدمتها الفنجان ، ذلك الإناء الصغير المصنوع من الفخار أو المعدن أو الخزف أو البورسلين الذي أُحيط بآداب وقواعد وتقاليد اجتماعية عريقة ، وأُطلقت عليه أسماء ومسميات متعددة تختلف باختلاف الغرض من صب القهوة أو حجمها أو المناسبة التي قُدمت فيها .
جذور صناعة الفناجين وتطورها :
عبر العصور التاريخية المختلفة ، تطورت أدوات شرب القهوة عند العرب تطوراً ملحوظاً . ففي بدايات ظهور القهوة واستخدامها في بيوت اليمن والحجاز والشام والعراق ، كانت تُشرب في أوانٍ خشبية أو فخارية بسيطة تُعرف أحياناً بـ ( الكأس ) أو ( الجِفنة ) . ومع انفتاح التجارة وتطور صناعة الخزف والزجاج والمعادن في العصرين العثماني والمملوكي ، ظهرت الفناجين بمفهومها القريب من العصر الحديث ، والتي كانت تُستورد غالباً من مراكز صناعة الخزف الشهيرة في الصين وتركيا وأوروبا ، لتصل إلى ديار العرب وتستقر في وجدانهم وتقاليد مجالسهم .
رحلة إعداد القهوة العربية : النار ، الموقد ، والأدوات التراثية :
ترتبط صناعة القهوة العربية بطقوس دقيقة ومعدات تراثية متكاملة تبدأ من مكان إشعال النار وحتى تقديمها في الدلال :
1 ) الموقد ( الوجار / النقرة ) : تُحفر النار تقليدياً في وسط صدر بيت الشعر البدوي أو البيت الريفي في حفرة دائرية مخصصة تُعرف بـ ( النقرة ) أو ( المشب ) أو ( الوجار ) ، حيث تُكدس جمر حطب الغضا والقيصوم والرمث لتوفير الحرارة الهادئة والمستمرة لإعداد القهوة .
2 ) المحماسة ومحراكها : تُوضع حبوب البن الخضراء أولاً داخل إناء معدني مقعر يدوي الصنع يُسمى ( المحماسة ) لتحميصها وتجفيفها على نار الجمر الهادئة ، ويتم تقليب حبات البن بعناية فائقة باستخدام عصا حديدية رفيعة تشبه الملعقة الطويلة تُسمى ( المحراك ) لضمان استواء التحميص وتدرج لونه بالتساوي دون احتراق .
3 ) المبردة ( أداة تبريد البن ) : بعد اكتمال عملية تحميص البن واكتسابه لونه البني الداكن ورائحته العطرة ، يُنقل فوراً إلى أداة تبريد خشبية أو معدنية دائرية تُعرف بـ ( المبردة ) أو ( المطواة ) ، حيث يقوم صانع القهوة بتقليبه وتهويته لتبريده سريعاً والحفاظ على نكهة الزيوت العطرية للبن من التلف قبل طحنه .
4 ) المهباش ( النجر ) : وهو الإناء الأسطواني الثقيل المصنوع غالباً من الخشب القاسي ( كالسنديان أو البلوط ) أو من النحاس الصلب ، وتُدق حبوب البن المحمصة داخله بواسطة عصا غليظة تُعرف بـ ( المحجن أو يد النجر ) . وقد ارتبط النجر بإيقاع صوتي منتظم ومميز ( نغمات الدق ) التي كانت تُطرب السامعين وتعلن للضيوف عن جاهزية المجلس للضيافة .
5 ) الضبّة والظَّبْيَة : يُحتفظ بالبن عادة في ( الضبّة ) وهو وعاء أو صندوق خشبي ومعدني محكم الإغلاق لحفظ حبوب البن من الرطوبة والعوامل الخارجية ، بينما شاع استخدام ( الظَّبْيَة ) المصنوعة من جلد الغزال أملس الناعم كجِراب أو كيس لحمل البن والهيل أثناء الترحال والسفر .
6 ) الدلال وتدرجها : تُنقل القهوة المطحونة بعد ذلك إلى مجموعة الدلال النحاسية الشهيرة ( مثل الرسلانية ، والحساوية ، والقرشية ، والبغدادية ) والمصفوفة بانتظام بجانب الوجار ، حيث تتدرج الدلال من ( المطباخة أو القمة ) لغلي القهوة ، مروراً بـ ( المصفاة ) لتجميع الشوائب ، وانتهاءً بـ ( المبهارة أو المزل ) التي تُقدم بها القهوة للضيوف .
أنواع ومسميات الفناجين عند العرب ودلالاتها :
تنوعت الفناجين عند العرب قديماً وفي أعراف البدو تبعاً لأسمائها الدراجة ، وترتيب تقديمها ، والدلالات الاجتماعية المترتبة عليها وفقاً لما وثقته المصادر التراثية وسلوم العشائر وقوائم الحصر الوطني للتراث الثقافي غير المادي ومدونات الصحافة العربية ، ومن أبرزها :
1 ) فنجان الهيف : وهو الفنجان الأول الذي يحتسيه المُضيف ( المُعزّب ) بنفسه قبل تقديم القهوة لضيوفه . وتعود علة هذا التقليد التاريخي عند العرب للتأكد من سلامة القهوة وجودتها وأنها لا تكون ( صايدة ) أو فيها أي سوء أو تلف ، فضلاً عن إزالة أي رهبة أو شك لدى الضيف ليطمئن قلبه لحفاوة الاستقبال .
2 ) فنجان الضيف : وهو الفنجان الأول الذي يُقدم للضيف فور وصوله وجلوسه بوصفه واجب الضيافة الأساسي . وقد كان الضيف قديماً في البادية مجبراً على شربه إلا في حالة العداوة القائمة ، أو أن يكون للضيف طلب صعب وقوي عند المضيف فلا يشربه إلا بعد أخذ وعد قاطع من المعزب بتلبية طلبه ، وإذ يأتي الضيف أو الجاهة ولا يشرب الفنجان إلا بعد تلبية الطلب فالمضيف حتماً مجبر على التلبية وإلا لحق به العار بين الناس .
3 ) فنجان الكيف : وهو الفنجان الثاني الذي يُقدم للضيف ( الفنجان الثالث في الترتيب العام ) ، وهو ليس مجبراً على شربه ولا يضير المضيف إن تركه الضيف ، إنما هو مخصص لتعديل كيف ومزاج الضيف والاستمتاع بطعم ومذاق القهوة بعد عناء السفر ، ويُعد أقل فناجيل القهوة قوة في سلوم العرب .
4 ) فنجان السيف : وهو الفنجان الثالث الذي يُقدم للضيف ( الفنجان الرابع في الترتيب العام ) . وغالباً ما يتحاشاه الرجال ويتركه الضيف ولا يحتسيه لأنه أقوى فنجان قهوة لدى عرب البادية ، إذ يرمز إلى أن من يحتسيه فهو مع المضيف في السراء والضراء ، ومجبر على الدفاع عنه بحد السيف ، وشريكه في الحرب والسلم يعادي من يعاديه ويتحالف مع حلفائه ، مما يمثل عقداً أتباعياً وميثاقاً أمنياً يحمل أموراً شداداً ويهابونه أشد الحرص .
5 ) فنجان الفارس ( طلب الدم والثأر ) : وهو فنجان خاص عندما يكون هناك شخص مطلوب بدم أو ثأر ، حيث يجمع شيخ القبيلة أو كبير القوم شبابها وفرسانها ويصب القهوة في الفنجان ويرفعه عالياً على رؤوس الأشهاد قائلاً : ( هذا فنجان فلان بن فلان من يشربه ؟ ) ، فيتقدم أحد الفرسان الأبطال ويقول : ( أنا له .. ) ويشربه ليتعهد بإحضار البينة على الانتقام ، وإلا فإنه يواجه إما الجلاء عن القبيلة أو العيش مذموماً محموماً بالعار والسخرية .
6 ) فنجان الأقارب وعيال العم : جرت العادة العشائرية أن شرب أكثر من ثلاثة فناجين متتالية يخص غالباً أهل وذوي صاحب القهوة وأفراد قبيلته وأنسبائه وذوي الدم ، لأنهم عرب وحدة وعضد للمُضيف .
معايير جودة القهوة العربية والتمَيُّز في تذوقها :
إن الحكم على جودة القهوة وتميزها بعد شربها لا يرتبط بعامل واحد ، بل يخضع لمنظومة متكاملة من المعايير الحسية والتراثية :
1 ) اعتدال الطعم والمذاق ( الوزن ) : القهوة عالية الجودة تتميز بطعم متوازن يجمع بين طعم البن المحمص الأصيل ونكهة الحرق الهادئة دون حموضة لاذعة أو مرارة حارقة تُسببها حبات البن المحروقة .
2 ) الحصافة في تقدير الهيل والمنكهات : الهيل هو الرفيق الأساسي للبن ، ولكن إضافته بمقدار مدروس وموزون هو المعيار الحقيقي ، فالزيادة المفرطة تقتل طعم البن الأصلي ، بينما النسبة المتوازنة تترك عبقاً عطرياً هادئاً يفوح في المجلس .
3 ) درجة الحرارة والقوام : لا تُشرب القهوة العربية وهي في درجة الغليان الحارق حتى لا تفقد اللسان قدرته على التذوق ، ومن أهم أسرار جودتها أنها تظل محافظة على طعمها المستساغ حتى لو بردت قليلاً . كما تظهر على القهوة الممتازة عند سكبها رغوة خفيفة رقيقة تُعرف بـ ( الوجه ) ، ويكون لونها مائلاً إلى الأشقر أو البني الذهبي ، ولا تترك ترسبات طينية كثيفة في قعر الفنجان أو تسبب حرقة في المعدة .
إسقاطات التراث على الواقع الأردني المعاصر :
تتجلى رمزية الدلة والفنجان بوضوح تام في تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية في الأردن ، فالدواوين العشائرية في مختلف المحافظات والمدن الأردنية ( من إربد وعمان والكرك وحتى البادية ) ما زالت تحتفظ بالدلة ( مثل الدلة الرسلانية والقرشية ) معلقة أو مصطفة في " اللوجار " أو " المشب " كعنوان بارز للكرام والشهامة . وفي أعراف الجاهات الصلحية وطلبات النسب والعروس في الأردن ، لا يزال " فنجان القهوة " يحمل ذات السطوة القانونية والعرفية ، إذ يُوضع الفنجان أمام الشيخ أو المعزب ولا يُشرب إلا بعد إعطاء " الكلمة " العشائرية القاطعة بتلبية الطلب ، لتتحول جلسات القهوة في المضايف الأردنية إلى مؤسسة تشريعية واجتماعية تعزز السلم المجتمعي وتصون حقوق الأفراد .
أحجام وتصاميم الفناجين في التراث الشعبي والمعاصر :
إلى جانب المسميات المرتبطة بالمواقف الاجتماعية ، تنوعت الفناجين وتطورت أشكالها وخاماتها وتصاميمها في الأسواق والمتاجر التراثية المتخصصة :
فناجين البادية الملكية ( المقاس العملاق ) : وتتميز بحجمها الكبير التراثي المخصص للضيافة الملكية والرفيعة ، وغالباً ما تُصنع من خامة البورسلين أو السيراميك ، وتزدان بزخارف ونقوش تراثية مستوحاة من البيئة البدوية ، مع طلي حوافها وفوهتها بلمسات ذهبية أو فضية جذابة .
الفناجين الخزفية المزخرفة : وهي الفناجين الكلاسيكية الشهيرة التي تتميز بنقوشها النباتية والهندسية الدقيقة ، وغالباً ما كانت تُرسم باللونين الأزرق والأبيض ( مثل نقشة أبو نقطة أو خد المنديل ) .
الفناجين النحاسية والمعدنية : وهي التي كانت تُستخدم في بعض البيئات البدوية القاسية نظراً لعدم كسرها وسهولة حملها في حل وترحال القوافل .
فناجين الدلة والإبريق : وهي أحجام تتناسب طرداً مع سعة دلال القهوة ( مثل الرسلان والحميسة والقريشي ) ، حيث تتدرج فناجين القهوة صغراً وكبراً بحسب نوع المجلس ووجاهة الحاضرين .
آداب شرب القهوة وفناجينها في المجالس العربية :
حكمت تقاليد المجالس العربية ضوابط صارمة لا غنى عنها في التعامل مع الفناجين ، ومن أهمها :
1 ) طريقة الإمساك بالفنجان والصب : يلتزم المُضيف أو صبّاب القهوة بإمساك الدلة باليد اليسرى وتقديم الفناجين للضيف باليد اليمنى حصراً ، واقفاَ بانحناءة خفيفة احتراماً للجلوس ، وبالمثل يتلقى الضيف الفنجان بيده اليمنى .
2 ) دلالة هز الفنجان : عندما يكتفي الضيف من شرب القهوة ولا يريد المزيد ، عليه أن يهز الفنجان يميناً ويساراً بخفة إشارة إلى الاكتفاء ، وهي عادة عربية أصيلة تعني الشبع وعدم الحاجة للزيادة وإلا استمر المضيف في صب المزيد .
3 ) عدم ملء الفنجان : يُصب القهوة بمقدار يسير في قعر الفنجان ( قيس رشفة أو رشفتين ) ، لأن ملء الفنجان يُعد في سلوم العرب إشارة غير مباشرة لاستعجال الضيف على المغادرة .
تظل الفناجين عند العرب أكثر من مجرد أدوات منزلية عابرة ، بل هي شواهد حيّة على منظومة متكاملة من القيم الاجتماعية والأخلاقية الرفيعة التي تجسد معاني الكرم والرجولة والتكافل ، وتبقى حكايات الدلال والفناجين محفورة في ذاكرة التراث العربي الأصيل على مر الأجيال .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أحمد اللدفاوي ، ( ملامح الحياة الاجتماعية في البادية الأردنية ) ، وزارة الثقافة ، عمان .
- 2 ) روكس بن زايد العزيزي ، ( معجم التراث الشعبي الأردني ) ، دار البشير ، عمان .
- 3 ) فوزي المعلوف ، ( عادات وتقاليد العرب في البادية والحاضرة ) ، دار النفائس ، بيروت .
- 4 ) مصطفى الشهابي ، ( ألفاظ الحضارة وتاريخها عند العرب ) ، مجمع اللغة العربية ، دمشق .
- 5 ) وزارة الثقافة الأردنية ، ( التراث الثقافي الأردني غير المادي : أنواع الفناجين في التراث الشعبي ) ، مديرية التراث ، قاعدة بيانات الحصر الوطني .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.