يُبين المقال مفهوم التمائم عبر التاريخ وأشكالها المختلفة مع بيان حكمها الشرعي بالأدلة , موضِحاً أن التعلق بها ينافي كمال التوحيد , ومؤكداً أن البديل الحق هو اللجوء إلى الله والتوكل عليه بالأسباب المشروعة .

سحر الحماية عبر العصور : التمائم بين المعتقد الشعبي والبعد التاريخي والحكم الشرعي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُمثّل التمائم واحدة من أقدم الظواهر الحضارية والنفسية التي رافقت المسيرة الإنسانية عبر مختلف العصور والأزمنة , فقد اندفع الإنسان القديم ، أمام غموض الطبيعة وقسوة الظروف وخوفه الدائم من المجهول والمرض والأرواح الشريرة ، إلى ابتكار وسائل رمزية تمنحه الشعور بالأمان والحماية , ومن هنا نشأت فكرة ( التميمة ) كدرع مادي وروحي يقي صاحبه الأخطار ويجلب له الحظ والبركة .

​المفهوم والجذور اللغوية والاصطلاحية :

​تُعرف التميمة لغةً بأنها جمع ( تميمة ) ، وهي مأخوذة من مادة " التمام " , إذ كان العرب في الجاهلية يعتقدون أن تعليقها يُتمم لصاحبه الحماية وتمام السلامة والعافية .

​أما في الاصطلاح والمفهوم الشعبي الشامل ، فالتميمة هي كلُ ما عُلِّق من أجل دفع شر متوقع حصوله من مرض أو عين أو سحر أو رفع شر وقع فعلاً ، سواء كان المعلق خرزات ، أو أخشاباً ، أو خيوطاً ، أو أوراقاً ، أو غير ذلك , وكما يوضح العلامة الألباني رحمه الله ، فإن من صور ذلك المنتشرة : تعليق نعل الفرس على باب الدار أو في صدر المكان ، أو تعليق بعض السائقين نعلاً في مقدمة السيارة أو مؤخرتها ، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل ، وكل ذلك من أجل العين زعموا ، وغير ذلك مما عمَّ وطمَّ بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بُعثَ الرسل ولا أنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها .

​دوافع اللجوء إلى التمائم عبر العصور :

​يعود لجوء الشعوب والأفراد إلى اتخاذ التمائم إلى أسباب نفسية واجتماعية عميقة ، أبرزها :

​1 ) الشعور بالعجز أمام المجهول : أمام قسوة الظروف الطبيعية ، والأمراض الفجائية ، والأخطار غير المرئية ، كان الإنسان يفتش عن وسيلة مادية يظن أنها تمنحه شعوراً بالسيطرة والأمان .

2 ) الرغبة في الوقاية والتحصين : طمعاً في جلب الحظ والبركة ، وخشية من أثر العين والحسد والسحر .

3 ) التقليد والتوارث الاجتماعي : انتقال هذه العادات كجزء من الموروث الشعبي والتقاليد البيئية دون تمحيص لمدى صحتها أو شرعيتها .

​صور التمائم وأمثلة على أنواعها المنتشرة :

​تتعدد صور التمائم وتتطور خاماتها وصياغتها بحسب الأزمنة والبيئات ، ومن أبرز أمثلتها الشائعة :

​1 ) الخرز الأزرق أو الكف ( الخمسة وخميسة ) : يعتقد البعض أنها تمنع الحسد والعين ، لكنها جمادات لا تملك نفعاً ولا ضراً .

2 ) ربط الخيوط أو الأحزمة أو الأساور : كربط خيط أو حزام على اليد أو الخصر ، أو لبس أساور من الجلد والحديد بزعم الوقاية من المرض أو جلب الشفاء .

3 ) لبس الحروز والطلاسم : مثل الأوراق والحجب التي تحتوي على طلاسم وأسماء الجن والرموز المجهولة للحماية من الشرور .

4 ) الأحجار الكريمة والخواتم : كاعتقاد أن حمل بعض الأحجار كالعقيق يجلب البركة أو أن الفيروز يمنع الفقر .

5 ) الأجزاء الحيوانية والجامدة : كالودع ، والعظام ، وشعر الذئب أو جلده لطرد الجن .

6 ) تعليق النعل أو حذوة الحصان : على الأبواب أو في السيارات لدفع العين زعموا .

​التمائم في الحضارات القديمة :

​لم تكن التمائم مجرد خرافة عابرة ، بل شكلت جزءاً أصيلاً من النسيج الديني والاجتماعي للحضارات الإنسانية الكبرى :

​1 ) الحضارة المصرية القديمة : أبدع الفراعنة في صناعة التمائم واستخدامها لحماية الأحياء والموتى على حد سواء ، ومن أشهرها ( عين حورس ) للشفاء والحماية ، و ( الجعران الفرعوني ) للتجدد والبعث .

2 ) حضارات بلاد الرافدين : استخدم البابليون والآشوريون التمائم الفخارية والأسطوانية المنقوشة بالتعاويذ لحماية البيوت والأفراد من الشياطين والأمراض ، وكثيراً ما كانت تُدفن تحت أعتاب المنازل لرد الشرور .

3 ) الحضارتان اليونانية والرومانية : ساد استخدام الخواتم المنقوشة والتمائم المعدنية المصنوعة من البرونز أو الفضة لحمل صور الآلهة ودرء الحسد وجلب النصر .

​حكم التمائم في الشريعة الإسلامية وتفصيل أحوالها :

​تنقسم التمائم من حيث حكمها الشرعي إلى أحوال وأنواع بحسب المادة المكونة لها ونوع الاعتقاد :

​أولاً : التمائم الشركية ومتى تكون شركاً أكبر أو أصغر :

​تختلف التمائم الشركية بحسب الأحوال والمعلق لها , فالذي يعلق شيئاً ويعبده من دون الله فهذا يكون شركاً أكبر يخرج من الملة ، أما إذا علقها معتقداً أنها سبب عادي للسلامة من العين أو لدفع الضرر مع اعتقاده أن النافع الضار هو الله فهذا من الشرك الأصغر والوسائل المحرمة .

​الأدلة الشرعية :

​قال رسول الله ﷺ : ( من علَّق تميمةً فقد أشرَك ) .

​وقال ﷺ : ( إنَّ الرُّقى ، والتَّمائمَ ، والتِّوَلةَ شِركٌ ) .

​وقال ﷺ : ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ) ، وقوله ﷺ : ( من تعلق شيئاً وُكِلَ إليه ) .

​ثانياً : حكم التمائم المصنوعة من القرآن الكريم :

​التمائم التي من الآيات القرآنية هي على أشكال مختلفة منها ما يُكتب في أوراق ثم يُحاط بجلد صغير ، ومنها مصاحف تطبع بحجم صغير جداً أحياناً تعلّق في الرقبة ، ومن الناس من يحملها معه بدون تعليق ، ومنها كتابة بعض الآيات القرآنية في قطع ذهبية أو فضية أو غيرهما وغالبا ما تعلّق في أعناق الصبيان وعلى السيارات .

وقد اختلف أهل العلم في تعليق هذا النوع الذي ليس فيه إلا قرآن على قولين رئيسيين :

1 ) القول الأول ( المنع المطلق ) : وهو القول الراجح الذي ذهب إليه جمهور الصحابة وأتباعهم , واستدلوا بعموم النهي الوارد في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : ( من علق تميمة فقد أشرك ) وعدم وجود دليل يخصص التمائم القرآنية ، ولو كان مشروعاً لبينه النبي ﷺ لأمتنا ، فضلاً عن قاعدة ( سد الذرائع ) العظيمة لئلا ينفتح باب الشرك وتختلط التميمة الجائزة بالممنوعة ، ولتعريض القرآن الكريم للنجاسات والأماكن التي يجب تنزيهه عنها خاصة عند تعليقها على الأطفال .

2 ) القول الثاني ( الجواز ) : واستدل أصحابه بحديث : ( من تعلق شيئاً وُكِل إليه ) ، وجه الدلالة عندهم أن من علق القرآن تولاه الله ولا يكله إلى غيره . وأُجيب عن ذلك بأن الاستشفاء بالقرآن يكون بالطريقة المشروعة وهي التلاوة والرقى الشرعية لا التعليق والأوراق والجلود ، وأن من تعلق بالقرآن بهذه الطريقة قد التفت قلبه عن الله وتعلق بالورق والجلود ولو نزعت لخاف وتغير ، مما يجعل القول بالمنع هو الأحوط والراجح لحماية جناب التوحيد .

​البديل الشرعي والتحصين الصحيح :

​بيّنت الشريعة الإسلامية أن الحماية الحقيقية والشفاء لا يتأتيان بتعليق الخيوط والأحجار أو التعلق بغير الله ، بل باللجوء الصادق إلى الخالق جل وعلا والأخذ بالأسباب المشروعة ، ومنها :

​1 ) الرقية الشرعية : القائمة على تلاوة كتاب الله تعالى ( كالفاتحة ، وآية الكرسي ، وسورة الإخلاص ، والمعوذتين ) والأدعية النبوية المأثورة .

2 ) المداومة على الأذكار اليومية : مثل أذكار الصباح والمساء ، وأذكار الخروج والدخول ، وأذكار النوم .

3 ) كمال التوكل على الله : الاعتماد على الله وحده مع الأخذ بالأسباب المشروعة والحسية والطبية الصحيحة ، ممتلئاً باليقين أن النفع والضر بيد الله وحده .

​الفرق بين التميمة التراثية والتميمة الرياضية ( Mascot ) :

​من الضروري التمييز اللغوي بين " التميمة التراثية " المتعلقة بالمعتقدات والسحر ودفع العين ، وبين ما يُعرف بـ " التميمة الرياضية " ( Mascot ) . فالأخيرة مجرد شعار رمزي أو شخصية كرتونية مُبتكرة تُستخدم في المناسبات والبطولات الرياضية للترويج والتنظيم وإضفاء أجواء الحماس والبهجة بين الجماهير ، ولا تحمل أي بعد اعتقادي أو ديني أو سحري على الإطلاق .

​إن خوض الإنسان عبر تاريخه الطويل في محاولة استجلب الأمان ودفع المخاطر يظل محكوماً بضوابط العقيدة والتوحيد الخالص ، حيث يبقى الاعتماد القلبي على الله وحده والأخذ بالأسباب المشروعة كالرقية والأذكار هو الملاذ الآمن والمنهج القويم الذي يصون عقول الأجيال ويحمي إيمآنهم من شوائب الخرافات والتعلق بغير الخالق جل وعلا .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد - الإمام محمد بن عبد الوهاب ( باب ما جاء في الرقى والتمائم ) .
  3. 2  ) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ .
  4. 3  ) القول المفيد على كتاب التوحيد - الشيخ محمد بن صالح العثيمين .
  5. 4  ) سلسلة الأحاديث الصحيحة - الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ( أحاديث تحريم التمائم والتعاليق ) .
  6. 5  ) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ( المجلد 25 , فتاوى العقيدة والتمائم ) .
  7. 6  ) فتاوى دار الإفتاء المصرية - فتوى رقم 110 ( حكم تعليق التمائم والحجب ) .
  8. 7  ) شبكة الألوكة الشرعية - مقال وخطبة " التحذير من التمائم " ( https://www.alukah.net/sharia/0/164069/ ) .
  9. 8  ) موقع إسلام ويب - موسوعة الفتاوى ( فتوى رقم 4137 : تعريف التمائم والنهي عنها , وفتوى رقم 77557 : التمائم تعريفها وحكمها ) ( https://www.islamweb.net ) .
  10. 9  ) منصة مقراة سناء التعليمية - مقال " التمائم بين الجاهلية والإسلام " ( https://sana-maqrah.com/en/blog/-/a-611707969 ) .