يستعرض المقال مشروع روتنبرغ المائي عام 1928 م كأول مخطط استعماري فرضه الانتداب البريطاني للسيطرة على مياه اليرموك ونهر الأردن ، متجاوزاً المقاومة الشعبية والسيادية لشرق الأردن .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
لم يكن الصراع على مياه حوض نهر اليرموك ونهر الأردن وليد العقود المتأخرة ، بل تمتد جذوره السياسية والهندسية إلى فترة الانتداب البريطاني ، حينما تداخلت الأطماع الاستعمارية مع المخططات الصهيونية للسيطرة على مصادر المياه في بلاد الشام . ويأتي في مقدمة هذه المخططات " مشروع روتنبرغ " ( Rutenberg Project ) ، المعروف تاريخياً بمشروع كهرباء روتنبرغ أو محطة نهاريم ، والذي مثّل الباكورة والمؤشر المبكر لما نطلق عليه اليوم " حرب المياه الصامتة " في المنطقة .
أولاً : ماهية المشروع والامتياز الاستعماري المجحف :
يعود هذا المشروع إلى المهندس الروسي اليهودي بنحاس روتنبرغ ( Pinhas Rutenberg ) ، الذي وصل إلى فلسطين متسلحاً برؤية صهيونية استراتيجية ترى أن السيطرة على الأرض تتطلب بالضرورة السيطرة على مصادر الطاقة والمياه .
1 ) التواطؤ البريطاني الصهيوني : انسجاماً مع المادة ( 11 ) من صك الانتداب البريطاني على فلسطين ، منحت الحكومة البريطانية امتيازات اقتصادية ضخمة ومجحفة للشركات الصهيونية . وفي 21 أيلول / سبتمبر 1921 م ، مُنح روتنبرغ امتيازاً حصرياً لتوليد الطاقة الكهربائية في فلسطين وشرقي الأردن بتأسيس " شركة الكهرباء الفلسطينية المحدودة " برأسمال بلغ مليون جنيه .
2 ) السيطرة المائية المطلقة : منح هذا الامتياز للشركة الصهيونية الحق الكامل في استخدام مياه نهري الأردن واليرموك ، والسيطرة على فروعها بالكامل ، وتغيير مجرى نهر اليرموك ، واستملاك ما تراه ضرورياً من الأراضي لتنفيذ مخططها .
3 ) تغييب السيادة الأردنية : امتدت وصاية المندوب السامي البريطاني لتشمل شرقي الأردن ، حيث مُنحت الشركة حق إنشاء محطات في الإمارة ( عدا عمان والكرك والسلط ) ، بل وجعلت الشركة هي الحكم على مدى مقبولية أسباب الرفض الأردنية ، مما دفع أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني للاحتجاج علناً على اتفاقية تضحي بحقوق البلاد وتجحف بها إجحافاً شائناً لصالح أفراد ، ورغم ذلك بارك الاتفاقية المستر تشرشل وصادقت عليها وزارة المستعمرات البريطانية .
ثانياً : الموقف السياسي في شرق الأردن والمقاومة الشعبية :
شهدت الساحة السياسية في إمارة شرقي الأردن صراعاً محتدماً حول تمرير هذا المشروع الخطير ، تجسد بين الرفض الوطني والضغوط الاستعمارية :
1 ) موقف الركابي باشا الرافض : في 15 آذار / مارس 1926 م ، طلب المعتمد البريطاني في عمان المستر ( كوكس ) من رئيس مجلس النظار ( الوزراء ) الأردني علي رضا الركابي باشا المصادقة على الامتياز ، مروجاً لفوائد موهومة لشرقي الأردن ، إلا أن الركابي باشا رفض المصادقة عليه انحيازاً للمصلحة الوطنية .
2 ) التمرير الحكومي والمقاومة الشعبية : على إثر هذا الرفض ، استُبدل الركابي باشا بحسن خالد أبو الهدى ، الذي خضع للرغبة البريطانية ووافق على الامتياز في 5 آذار / مارس 1927 م برغم المقاومة الشعبية الواسعة له . وصادقت الحكومة الأردنية رسمياً على الامتياز لمدة سبعين عاماً في 8 كانون الثاني / يناير 1928 م ، ونُشر في العدد ( 177 ) من الجريدة الرسمية .
ثالثاً : الموقع الهندسي واستملاك أرض الباقورة ( جسر المجامع ) :
اختير موقع المشروع بعبقرية جغرافية خبيثة عند منطقة " نهاريم " ( وتعني بالمنظور العبري النهرين ) ، وهي البقعة الاستراتيجية التي تقع عند ملتقى نهر اليرموك بنهر الأردن بالقرب من جسر المجامع في الباقورة .
1 ) التوسع الصهيوني تحت غطاء المشاريع : استغلت الحركة الصهيونية احتياجات الشركة لتنفيذ برامج التوسع في شرقي الأردن ، فتقدمت بطلب لإنشاء قرية ومحطة على أراضٍ أردنية تبلغ مساحتها نحو ستة آلاف دونم .
2 ) قرار الاستملاك : في 6 حزيران / يونيو 1928 م ، وافق المجلس التنفيذي ( الوزاري ) الأردني على طلب الشركة واستملاك الأراضي تتبع إدارياً للواء إربد ، مقابل دفع الشركة مبلغ ( 3696 ) جنيهاً مصرياً للحكومة ، وحمايتها من طلبات التعويض .
3 ) التدشين والافتتاح المائي : استمرت أعمال الإنشاء ببناء السدود والقنوات الاصطناعية وتحويل مجرى اليرموك والتحكم ببحيرة طبريا ، حتى افتتح الأمير عبد الله بن الحسين المشروع رسمياً في 6 حزيران / يونيو 1933 م ، وظلت المحطة تعمل حتى توقفت إبان حرب عام 1948 م .
رابعاً : مشروع روتنبرغ كجذر تاريخي لحرب المياه الصامتة :
إذا أردنا فهم التحديات الحالية والمخاطر التي يواجهها حوض نهر اليرموك وسد الوحدة اليوم ، فإننا نجدها امتداداً طبيعياً للفلسفة المائية والاستعمارية التي أسس لها مشروع روتنبرغ :
1 ) فلسفة تحويل المجاري المائية : كان مشروع روتنبرغ أول تطبيق عملي لفكرة تحويل مجاري الأنهار وتغيير الطبيعة الهيدرولوجية للمنطقة ، وهو الأسلوب ذاته الذي اتبعه الاحتلال لاحقاً في " ناقل المياه القطري " لاستنزاف مياه حوض نهر الأردن وطبريا .
2 ) استغلال الاتفاقيات المجحفة : تماماً كما فرض امتياز عام 1926 و 1928 م واقعاً مائياً لخدمة طرف واحد على حساب أصحاب الأرض في شرق الأردن وسوريا ، تكررت المحاولات والضغوط التاريخية لاحقاً عند مصب المثلث المائي لتقييد حصص الأردن التاريخية من نهر اليرموك .
لا يمثل مشروع روتنبرغ مجرد محطة لتوليد الكهرباء بادت مع الزمن ، بل هو " حجر الأساس " في معركة السيطرة المائية والتوسعية في الشرق الأوسط . إنه الشاهد التاريخي الأول على أن السيطرة على قطرة الماء في حوض اليرموك ونهر الأردن كانت ، وما زالت ، جوهر الصراع وبؤرة حرب المياه الصامتة التي نعيش تفاصيلها وتحدياتها حتى يومنا هذا .



















قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع : الجريدة الرسمية لشرق الأردن، العدد (177)، تاريخ 8 كانون الثاني / يناير 1928 م (اتفاقية الامتياز الممنوحة لشركة الكهرباء الفلسطينية لسنة 1928 م). السعدي، د. عصام محمد (2014). الحركة الوطنية الأردنية 1921-1946، ط1، عمان، ص ص 417-419. موسى، سليمان، والماضي، منيب (1959). تاريخ الأردن في القرن العشرين، عمان، ص ص 278-279. عابدين، صلاح الدين (1980). فلسطين بين الصهيونية واليهودية، ص ص 52-53. صدقة، نجيب (1946). قضية فلسطين، بيروت، ص 102. جريدة لسان العرب (القدس)، الأعداد رقم 250 و 251، تاريخ 5/6/1922 م و 6/6/1922 م. جريدة فلسطين (يافا)، العدد رقم 913/59، تاريخ 11/10/1926 م. دراسة بحثية: "مشروع روتنبرغ والأطماع الإسرائيلية في أراضي شرق الأردن"، المنشورة عبر منصة (ResearchGate)، 2020. تقرير توثيقي: "جسر المجامع في الباقورة: أرض أردنية بملاكين مجهولين"، موقع حبر (7iber).

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.