يتناول هذا المقال سيل عمّان بوصفه الشريان المائي والتاريخي العريق الذي صاغ هوية العاصمة عبر الحضارات المتعاقبة ، وتجسّد في ذاكرتها الشعبية والعمرانية حتى طُوِيَ تحت خرسانة شارع قريش .

سيل عمّان : نبض التاريخ وذاكرة المياه العذبة تحت شوارع وسط البلد

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تمثل الأودية الحية والمجاري المائية العذبة الشرايين الخفية التي تنبثق منها حضارات البشر ، وفي قلب الجبال القاحلة والمرتفعات الصخرية التي تكوّن جغرافيا الأردن الطبيعية ، برز وادي عمّان منذ أقدم العصور كموطن استثنائي تفجرت في باطنه ينابيع المياه العذبة وانحدرت على قعره جداول سيّالة لا تنقطع . ولم يكن سيل عمّان مجرد تجمع عرضي للمياه ، بل كان الواحة الكبرى والبيئة الحاضنة التي أشرقت عليها شمس التاريخ الإنساني منذ فجر البشرية ، فالتفت حوله التجمعات البشرية الأولى قبل أن تتبلور الملامح الحضرية للمدن الكبرى . لقد تشكّلت على ضفافه الخصيبة أولى بذور الاستقرار الزراعي والاجتماعي ، وتناوبت على ضفافه الأمم والحضارات طوال آلاف السنين ، بدءاً من مجتمعات العصور الحجرية في عين غزال ، مروراً بالدولة العمونية التي جعلت من مرتفعات الوادي عاصمة لها ، ووصولاً إلى الفترات الكلاسيكية اليونانية والرومانية والبيزنطية ، ثم الحقب العربية الإسلامية المتعاقبة التي أضفت على المكان روحه الشرقية العريقة . ظل هذا السيل الجاري يحمل في أعماقه قصة البقاء الإنساني ، مشكلاً هوية جغرافية وتاريخية فريدة ظلت محفورة في وجدان المكان والذاكرة الشعبية ، حتى طوته يد العمران الحديث وسقفته الأسفلتية تحت شوارع وسط البلد الصاخبة ، ليتحول من جدول جاري يداعب ضفاف البساتين إلى أسطورة مائية مدفونة تروي حكاية العاصمة من جديد .

​المنبع والمصادر المائية : الينابيع الجوفية والمسيلات الجبلية :

​لم يكن سيل عمّان يعتمد على مصدر واحد ، بل تكوّن نتيجة تضافر مصدرين أساسيين متكاملين :

​ينابيع رأس العين ( المصدر الأساسي الدائم ) : كان المنبع الرئيسي والأم يقع في منطقة رأس العين ( والتي سُميت بهذا الاسم نسبة إلى تلك الينابيع العذبة الغزيرة التي كانت تفور من باطن الأرض ) . كانت هذه المياه تفور بغزارة من باطن الأرض على مدار العام ، لتشكل الدعامة الأساسية لجريان السيل حتى في أشد أشهر الصيف جفافاً .

​المسيلات والسيول الجبلية ( المصدر الموسمي ) : إضافة إلى الينابيع الدائمة ، كان السيل يتغذى بشكل مباشر ومرعب خلال فصل الشتاء على شبكة ضخمة من المسيلات المائية الطبيعية . هذه المسيلات كانت تشكلها مياه الأمطار الغزيرة المتساقطة على سفوح جبال عمّان المحيطة ( مثل جبل القلعة ، وجبل الجوفة ، وجبل اللويبدة ، وجبل عمان ) ، حيث كانت تنساب بشدة عبر المنحدرات والوديان الفرعية لتتجمع في قاع الوادي ( منطقة وسط البلد حالياً ) ، دافعة بكتل مائية هائلة وكبيرة .

​سيل عمّان في العصر العموني : عاصمة حصينة وشريان استراتيجي :

​مثّل العصر العموني ( منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد ) إحدى أبرز المحطات التاريخية التي تجذرت فيها مكانة مدينة عمّان ( أو " ربا عمون " كما وردت في النصوص القديمة ) :

​اختيار جبل القلعة مقراً للحكم : اتخذ العمونيون من جبل القلعة حصناً منيعاً وعاصمة رئيسية لدولتهم ، نظراً لطبيعته الطبوغرافية المرتفعة والمحصنة طبيعياً ، والتي تشرف بشكل مباشر على وادي السيل والمناطق الزراعية المحيطة .

​الأهمية الحيوية للسيل للعمونيين : بالرغم من تحصنهم فوق قمة الجبل ، إلا أن بقاء واستمرار العاصمة العمونية كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بوجود سيل عمّان في قاع الوادي . فقد شكّل السيل المصدر المائي الأساسي للشرب والري للمستوطنات والمدرجات الزراعية المنتشرة على سفوح الجبال ، فضلاً عن دوره في تأمين الاحتياجات المائية للجيوش والقبائل المتحالفة مع الدولة العمونية .

​المنشآت المائية الدفاعية : طوّر العمونيون هندسة مائية ذكية لتأمين المياه وتخزينها ونقلها من الوادي وينابيعه إلى قمة جبل القلعة عبر الأنفاق وخزانات المياه الصخرية الضخمة ( مثل البركة العملاقة الشهيرة في القلعة ) ، مما ضمن الصمود في وجه الحصار والحروب ، وجعل من السيل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والمائي للدولة .

​الاستخدامات وفوائد المياه : شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية :

​شكّل سيل عمّان على مدى عقود طويلة المصدر الأساسي الذي لا غنى عنه لتلبية كافة احتياجات سكان الوادي والمناطق المحيطة ، وتعددت استخدامات مياهه لتشمل جوانب الحياة اليومية والاقتصادية كافة :

​ري المزروعات وإقامة البساتين : استغل السكان والعائلات المتعاقبة مهاراتهم الزراعية للاستفادة من تدفق السيل الدائم ومياهه الضحلة الصافية لري مساحات واسعة من البساتين والخضراوات والأشجار المثمرة التي اصطفت على جانبي الوادي ، محولة قاع عمّان إلى جنة خضراء وسط الطبيعة القاسية .

​سقاية المواشي والقبائل البدوية : نظراً لطبيعة الموقع الجغرافي الذي يلتقي فيه استقرار الحضر بارتحال البادية ، كان سيل عمّان محطة استراتيجية رئيسية ومقصداً ثابتاً للقبائل البدوية والعشائر المحيطة لرعي مواشيهم وسقايتها ، حيث مثّل مورداً مائياً آمناً تورد عليه الإبل والأغنام والأنعام طوال فصول السنة .

​التزود المنزلي ونقل المياه : اعتمد أهالي المنطقة وسكان الأحياء الناشئة في الفترات المبكرة على مياه السيل الصافية كمصدر رئيسي للشرب والطبخ والاستخدامات المنزلية اليومية ، حيث كان السكان يرتادونه بشكل دوري لتعبئة الجرار والأواني وحملها إلى منازلهم الواقعة على سفوح الجبال القريبة .

​غسل الحاجيات والمفروشات : شكّلت ضفاف السيل الفسيحة مساحة اجتماعية حيوية لربات البيوت والنساء اللواتي كن يقصدن مجرى المياه الجاري لغسل الملابس ، وتطهير أصواف الأغنام ، وتنظيف البسط والمنسوجات التقليدية في طقس اجتماعي عائلي دافئ يعكس روح التعاون والألفة بين أبناء المجتمع المحلي .

​البنية الهندسية وتطور الإدارة المائية وعلاقتها بالآثار الرومانية :

​تكامل العمارة الكلاسيكية مع مجرى السيل : لم تكن المعالم الكبرى التي أقامها الرومان لاحقاً في وادي عمّان بمعزل عن السيل ، بل صُممت هندسياً لتتفاعل معه بشكل مباشر ، فأنشأ الرومان شبكة متطورة من القناطر الحجرية الضخمة والأقبية والأنفاق تحت الأرضية للسيطرة على تدفق مياه السيول وجعلها تحت السيطرة .

​تغذية المعالم الكبرى بالمياه : تميزت المنطقة المتاخمة للمجرى بتوظيف مياه السيل لتغذية المرافق العامة الفخمة ، مثل سبيل الحوريات ( Nymphaeum ) الذي شكل نافورة عامة ضخمة ومرتبطة بشبكة مائية متطورة ، إضافة إلى الحمامات الرومانية المجاورة للمدرج الروماني والتي اعتمدت على قنوات السيل لضمان تدفق المياه العذبة باستمرار .

​تخزين المياه والآبار الأرضية عبر العصور :

​ابتكر أهالي الوادي وسكان المدينة والحضارات المتتابعة وسائل هندسية ومعمارية وشعبية متعددة للاستفادة القصوى من مياه السيل والينابيع المحيطة به وتخزينها لاستخدامها في فترات الجفاف :

​البرك الكبرى وخزانات رأس العين : أقيمت عند منطقة المنبع الرئيسية في رأس العين برك وتجمعات مائية ضخمة لجمع مياه الينابيع الفائرة قبل انسيابها في الوادي ، وكانت هذه البرك تُستخدم كخزانات استراتيجية لحفظ المياه وتوزيعها عبر قنوات حجرية ممتدة .

​الآبار الأرضية والصهاريج المنزلية : مع استقرار الشركس والشوام والعائلات الأردنية الأولى في قاع الوادي وسفوح الجبال القريبة ، كان من المتطلبات الأساسية لبناء أي منزل حفر بئر أرضي ( صهريج ) داخل حوش الدار أو بالقرب منه ، حيث كان السكان يقيمون قنوات تحويل ترشيحية من مجرى السيل نحو آبار مجهزة بطبقات الحصى والرمل لتصفية المياه وتخزينها في باطن الأرض لاستخدامها طوال فصل الصيف .

​السدود الصغيرة وحواجز التحويل : كان الأهالي والمزارعون يقيمون سدوداً وحواجز حجرية صغيرة ( تُعرف شعبياً بـ " الحوابس " ) وسط مجرى السيل لحجز كميات من المياه وتشكل بركاً أو " حوامات " يتم التخزين فيها مؤقتاً لتسهيل سحب المياه عبر برك تخزين جانبي لري المحاصيل والبيادر القريبة .

​الفتح الإسلامي لمدينة عمّان واختيار موقع المسجد الحسيني :

​في صدر الإسلام ، ومع انطلاق الفتوحات الإسلامية المباركة لبلاد الشام في عهد الخلفاء الراشدين ، توجه القائد المسلم البارز يزيد بن أبي سفيان ( أخو الخليفة معاوية بن أبي سفيان ) رضي الله عنهم ، ومن بعده قادة الفتوح ، لفتح مدن الشام الداخلية ومنها منطقة عمّان وما حولها في أوائل عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث دخلت المنطقة في حوزة الدولة الإسلامية وأصبحت جزءاً من جند فلسطين أو جند دمشق بحسب التقسيمات الإدارية اللاحقة :

​اختيار موقع المسجد الحسيني : عندما تأسست نواة المدينة الإسلامية واستقر المسلمون فيها ، تم اختيار موقع المسجد الحسيني الكبير في قلب وسط البلد الحالي بعناية فائقة ووعي عمراني عميق . ولم يكن هذا الاختيار عشوائياً ، بل جاء مقصوداً ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بكون المنطقة المركز الحيوي المزدحماً سكانياً ، والملاصق لمجرى سيل عمّان وينابيعه العذبة .

​أسباب دلالة الموقع : حرص المسلمون الأوائل على بناء المسجد الجامع في أوسط مناطق الاستيطان وأقربها إلى مصادر المياه الحيوية ( السيل ) ، تماماً كما جرت العادة في الأمصار الإسلامية الكبرى ( مثل الكوفة والبصرة وفُسطاط مصر ) ، ليكون قريباً من حركة الأسواق والناس ، وميسراً للضوء والوضوء والشرب ، ومؤكداً على استمرارية الحياة العمرانية والدينية في قلب الوادي النابض .

​القبائل والعائلات والوافدون الأوائل على ضفاف سيل عمّان :

​شهدت المنطقة المجاورة لمجرى سيل عمّان في أواخر العهد العثماني وبداية تأسيس إمارة شرق الأردن استقراراً ديموغرافياً وتنوعاً سكانياً أصيلاً ، حيث تقاطعت وتكاملت على ضفافه إرادات القبائل الأردنية والعائلات العريقة التي صنعت تاريخ هذه المدينة ( مع التقدير البالغ والاعتزاز بكل العشائر والقبائل والعائلات الغراء التي سكنت عمان ومحيطها ولم يسعفنا المجال لذكر اسمها تخصيصاً ، فكلهم أصحاب فضل وأهل للمكان ) :

​القبائل والعشائر البدوية والريفية ( أهل الوادي والمحيط ) : سكنت محيط السيل والمناطق القريبة منه قبائل وعشائر أردنية عريقة عُرفت بارتباطها التاريخي بالأرض وموارد المياه ، ومن أبرز أمثلتها التاريخية قبائل الدعجة والحنيطيين وغيرهم من عشائر المنطقة ، إلى جانب قبائل بني صخر التي كانت تتخذ من محيط الوادي ومداخله محطات رئيسية وموارد لسقاية مواشيها . وكانت هذه العشائر والقبائل التي تمثل العمق الاجتماعي والاصيل لـ " أهل البادية والريف المحيط " ترفد المكان بالحياة والتجارة وتعتمد على موارد السيل .

​الشركس ( قوافل المهاجرين الأوائل ) : مع أواخر القرن التاسع عشر ، استقر المهاجرون الشركس الذين قدموا من القفقاس بتوجيه واستقرار عثماني في منطقة عمّان ، واتخذت أسرهم الأولى من ضفاف سيل عمّان ومحيطه مكاناً حيوياً لبدء حياتهم الزراعية والعمرانية ( مثل حي الشابسوغ ) ، حيث وجدوا في وفرة مياهه وبساتينه بيئة مثالية لزراعة الخضراوات وتأسيس قراهم ونشاطهم الاقتصادي الأول .

​الشوام ( طيوب الهجرة التجارية والشامية ) : وفد إلى عمّان أعداد من العائلات الشامية القادمة من المدن السورية الكبرى ( دمشق وحمص وغيرهما ) ، واستقروا في منطقة وسط البلد بالقرب من مجرى السيل ومحطة الحجاز ، وأسهموا بشكل فاعل في إحياء الحياة التجارية وبناء الأسواق الأولى والأنشطة الحرفية والخدمية في المدينة الناشئة .

​تجار بخارى وسمرقند ( مؤسسو سوق البخارية ) : من العلامات الفارقة في تاريخ وسط عمّان التجاري وصول تجار ومهاجرين من مناطق بخارى وسمرقند ( آسيا الوسطى ) ممن قادهم طريق الحج الشامي والتجارة إلى الاستقرار في قلب العاصمة بالقرب من ضفاف السيل ، حيث أسسوا " سوق البخارية " الشهير الذي ظل لعقود طويلة معلماً تجارياً وثقافياً بارزاً يعرض السلع التقليدية والبضائع النادرة .

​المشاريع والمنتزهات والذكريات الجميلة في عهد الإمارة وخمسينيات القرن العشرين :

​في عهد إمارة شرق الأردن ومنتصف القرن العشرين ، تحول مجرى سيل عمّان وضفافه الخصيبة إلى متنفّس طبيعي ومساحة حيوية لأهالي العاصمة ورجال الجيش العربي القوات المسلحة الأردنية ، حيث امتلأت الذاكرة الشعبية والشفهية بذكريات عطرة تحكي قصة المياه والناس :

​المتنزهات والمقاهي العائلية البسيطة : أقيمت على طول الضفاف القريبة من وسط البلد ومحطة الحجاز جلسات ومقاهي شعبية ومتنزهات بسيطة تلفت حول ظلال الأشجار المثمرة وخرير المياه ، حيث كانت العائلات تقصدها للاستجمام والترويح عن النفس في أيام الأعياد والعطلات .

​ذكريات السباحة وصيد الأسماك والبيادر : تروي ذاكرة السكان القدامى مشاهد السباحة في الحوامات وبرك المياه المتدفقة وصيد الأسماك النهرية الصغيرة ، إلى جانب المزارع والبساتين المجاورة والبيادر التقليدية التي كانت تُقام لدرس القمح والشعير على سفوح التلال المطلة على السيل .

​ذكريات خدم الجندية وتفجر الينابيع في خمسينيات القرن العشرين : ومن الذكريات الشفهية الموثقة التي يرويها أبناء تلك الفترة ممن خدموا في صفوف الجيش العربي ( القوات المسلحة الأردنية ) في مدينة عمّان خلال خمسينيات القرن العشرين ، أنه عقب مواسم الأمطار الشديدة والغزيرة وتحديداً مع بدايات فصل الربيع ، كانت المناطق المحيطة بمجرى السيل تشهد ظاهرة طبيعية بديعة ، حيث كانت تتفجر العيون والينابيع الصغيرة من باطن الأرض والطبقات الصخرية المحيطة ، ثم تنساب مياهها بغزارة باتجاه مجرى السيل لترفده وتزيد من منسوبه بشكل لافت . وكان من أشهر تلك الينابيع التي تتفجر آنذاك تلك التي تظهر في شارع الملك فيصل وتحديداً في المنطقة الواقعة أمام مبنى البنك العربي حالياً ( والذي كان مقراً لـ البنك العثماني سابقاً بوسط البلد ) ، لتنساب مياه الينابيع النبعية العذبة وترفد السيل في رسم لوحة طبيعية فريدة لعمّان القديمة .

​الحياة الاقتصادية والأسواق والمرافق النابضة على ضفتي السيل :

​شكلت الضفتان المتاخمتان لمجرى السيل وسقفه لاحقاً قلباً تجارياً وإدارياً ورياضياً نابضاً بالحياة ، حيث تعايشت على جانبيه الأسواق المتنوعة والمؤسسات العريقة :

​الأسواق والمحلات التجارية المتنوعة : ازدحمت ضفاف السيل بمئات المتاجر والحوانيت التي لبت احتياجات المدينة ، فانتشرت محلات الأقمشة والمنسوجات التقليدية ، ومحلات تجارة الحبوب والبقوليات والعطارة ، ودكاكين المواد الغذائية والبضائع العامة التي وفرت حاجيات السكان اليومية .

​المقاهي والنزل الشهيرة : عُرفت المنطقة باحتضانها لعدد من المقاهي الشعبية والثقافية البارزة التي كانت ملتقىً لرجال السياسة والأدب والتجار ، مثل مقهى سنترال ومقهى حمدان وغيرهما ، إلى جانب النزل والفنادق البسيطة التي استقبلت القادمين والمسافرين من مختلف مناطق المملكة وخارجها .

​مقر النادي الأهلي : شهد محيط السيل ووسط البلد حضوراً رياضياً واجتماعياً بارزاً ، حيث تواجد النادي الأهلي العريق في مراحله الأولى وتأسيسه في المنطقة القريبة من مجرى السيل وسقفه ، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مقره في منطقة الرواق / الرونق القريبة من الدوار الثامن في منطقة بيادر وادي السير .

​مقرات أمانة عمّان الكبرى ( البلدية ) : ترتبط ذاكرة الإدارة المحلية للمدينة ارتباطاً وثيقاً بمجرى السيل ، فقد كان المبنى القديم لأمانة عمّان ( البلدية ) يقع في قلب المنطقة الحيوية القريبة من السيل والمدرج الروماني ، بينما انتقل المبنى الحديث لاحقاً يستقر في منطقة رأس العين بالقرب من الحدائق والمتنزهات العامة ومناطق المنبع التاريخية للسيل .

​شهادات الرحالة الغربيين والباحثين والمؤرخين حول تاريخ مدينة عمّان وسيلها :

​حظيت مدينة عمّان وسيلها العذب باهتمام واسع عبر التاريخ من قِبل الرحالة والمستشرقين الغربيين الذين وثقوا مشاهداتهم بدقة ، كما رفد المكتبة التاريخية الأردنية والعربية ثلة مباركة من الباحثين والمؤرخين والصحفيين الذين كرّسوا جهودهم لدراسة توثيق عاصمة الأردن :

​الرحالة والمستشرقون الغربيون :

1 ) يوهان لودفيك بركهارت ( 1812 ) : الرحالة السويسري الشهير الذي يُعد من أوائل من وثقوا جغرافية عمّان الحديثة ، حيث وصف البلدة وهي تقبع على طول النهر ( مية عمان ) المنبعث من البركة ، وتحدث عن الجسور العالية التي تعبره والضفاف المرصوفة التي تأثرت بعنف السيول الشتوية .

2 ) جيمس سيلين وهيلمان وآخرون : من الباحثين الأثريين الأوائل الذين زاروا المنطقة ونقبوا في تلالها الأثرية موثقين بقايا الفيلادلفيا القديمة وعلاقتها بشريان المياه .

​الباحثون والمؤرخون والصحفيون الأردنيون :

1 ) الأستاذ محمد أبو عريضة : الباحث والصحفي البارز الذي أغنى الصحافة والمكتبة الأردنية بدراساته ومقالاته المعمقة حول تاريخ عمّان وتحولاتها العمرانية والاجتماعية .

2 ) الأستاذ عامر السلايمه : الباحث المهتم بتوثيق الذاكرة المكانية والتراثية لمدينة عمّان وتفاصيل نشأتها ومحطاتها التاريخية المختلفة .

3 ) الدكتور رامي ضاهر : المعماري والباحث الذي تناول قضايا التخطيط الحضري لمدينة عمّان ونقد معالجات سقف السيل من منظور عمراني وثقافي .

4 ) المؤرخون والباحثون المعنيون بالتراث المحلي : مثل الدكتور بكر خريسات ، والدكتور محمد عدنان البخيت ، والدكتور هند أبو الشعر ، وغيرهم ممن وثقوا تاريخ الشركس والبدو والنشأة الاجتماعية لإمارة شرق الأردن .

5 ) الصحفيون والكتّاب في الصحافة المحلية ( جريدة الرأي والزميلات ) : ممن وثقوا ذكريات الآباء والأمهات عبر تقارير " أيام النهر والسيل " وتحذيرات " خطورة انسداد سقف السيل " .

​دلالات التسمية الجغرافية : الفرق بين السيل والنهر والمجرى المائي :

​تتعدد المسميات التي تطلقها المصادر التاريخية والجغرافية على المعلم المائي لمدينة عمّان ، فتارة يسمى " نهر عمّان " وتارة أخرى " سيل عمّان " أو " المجرى المائي " ، وينبع هذا الاختلاف من اعتبارات لغوية وجغرافية وتاريخية دقيقة :

​مفهوم النهر : في المعجم الجغرافي والكلاسيكي ( وهو ما استخدمه الرحالة الأجانب مثل بركهارت والنصوص القديمة ) ، يُطلق مصطلح النهر على المجرى الطبيعي الدائم الجريان الذي يمتلك حوضاً واسعاً ومياهاً غزيرة متصلة على مدار العام لتصب في النهاية في بحر أو نهر أكبر ، وهو ما انطبق على مجرى عمّان قديماً بوصفه رافداً هائلاً ومنظومة مائية متكاملة تصب في نهر الزرقاء .

​مفهوم السيل : في التضاريس والمصطلح المحلي المشرقي ، يُعبر مصطلح السيل عن المجرى المائي الذي يتأثر صيفاً وشتاءً بالينابيع والسيول المنحدرة ، وغالباً ما يمتاز بطبيعة جغرافية شاقّة لقاع الوادي وضيق مجراه بين الجبال ، وهو اللفظ الأكثر دقة في التعبير عن الواقع المورفولوجي لوادي عمّان الذي يشهد تدفقات جارفة موسمية وتغيرات في حجم المياه .

​مفهوم المجرى المائي : مصطلح علمي وهندسي محايد تستخدمه الدراسات الحديثة وبلدية عمّان وأرشيف الأمانة لوصف المسار الجغرافي الهندسي الذي تمر عبره المياه سواء كانت جارية طبيعياً أو محكومة بقنوات ومسقوفة بالخرسانة .

​سبب اختلاف المصادر : يعود تباين المسميات بين مصدر وآخر إلى الحقبة الزمنية ونوعية الناقل ، فالرحالة والمستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر رأوا فيه جداول نهرية جارية فسموه " نهر عمان " ، بينما اعتمد السكان المحليون وجغرافية المنطقة التسمية الأدق بيئياً وهي " سيل عمان " نظراً لطبيعة الوادي السحيق والسيول الموسمية ، في حين استخدمت المصادر الرسمية والأكاديمية الحديثة التسميتين تباعاً بحسب السياق التاريخي والتطبيقي .

​التحول والتسقيف : من أزمة الجفاف والملاريا إلى " شارع قريش " :

​شهدت عمّان مع بداية العصر الحديث تحولات ديموغرافية وعمرانية متسارعة ، خاصة بعد إعلانها عاصمة لإمارة شرق الأردن عام 1921 ، وما تلا ذلك من موجات متتالية من اللجوء والاستقرار السكاني في الوادي والجبال المحيطة :

​جفاف السيل والأزمات الصحية : مع التزايد السكاني الكبير واستنزاف الموارد المائية وحصر بعض الينابيع لتغذية الأحياء الجبلية الجديدة ، تعرض السيل للجفاف التدريجي إثر نضوب عيون المياه التي كانت تغذيه . وتحول المجرى الضحل في فترات الصيف إلى مصدر للمشاكل البيئية والصحية بفعل إلقاء النفايات ، مما جعله بيئة جاذبة للحشرات وتفشي الأمراض والأوبئة ولا سيما الملاريا .

​مشروع التسقيف ( عام 1964 – 1971 ) : دفع هذا الواقع الصحي والبيئي المتردي ، إلى جانب تكرار الفيضانات الشتوية المدمرة التي هددت المتاجر والمنازل والحاجة الملحة لحل أزمات المرور المتصاعدة في وسط البلد ، إلى إطلاق أمانة عمّان مشروعاً هندسياً ضخماً لتسقيف السيل بالخرسانة المسلحة بتكلفة عالية .

​شارع قريش وسقف السيل : تحول المجرى المغطى بالكامل إلى شارع تجاري رئيسي يُعرف رسمياً بـ شارع قريش وشعبياً بـ " شارع سقف السيل " .

​مخاطر ودروس هندسية : واجه هذا الحل الهندسي نقاشات واسعة بين مؤيد اعتبره ضرورة لتنظيم المدينة ومحاربة المكاره الصحية ، وبين معارض رأى فيه ممارسة افتقرت إلى رؤية حضارية مستدامة أدت لضياع فرصة إعادة إحياء النهر ، تزامناً مع التحذيرات المستمرة من " خطورة انسداد سقف السيل " بفعل تراكم الأنقاض أثناء السيول العارمة .

​الموقع الحالي والمسار التفصيلي للشارع والمجرى :

​على الرغم من تغطية السيل بالخرسانة والأسفلت ، إلا أنه لم يُلغَ هيدرولوجياً ، بل يواصل تدفقه تحت الأرض داخل العبارة الخرسانية الصندوقية الضخمة التي يقبع فوقها الشارع الحالي وفق التحديد الميداني الآتي :

​اسم الشارع الحالي : يُعرف الشارع رسمياً باسم شارع قريش ، بينما يُطلق عليه السكان أهالي المدينة شعبياً اسم " شارع سقف السيل " .

​طول المجرى والمسار : يبلغ طول المجرى الرئيسي لسيل عمّان تقريباً ستة كيلومترات ( من منبع رأس العين وحتى نقطة التلاقي والصب ) ، ويتحدد مساره الميداني بالضبط كالتالي :

1 ) نقطة البداية ( الغرب ) : ينطلق الشارع من منطقة رأس العين ( بالقرب من مجمع دائرة المكتبات ، ومبنى أمانة عمّان الكبرى ، ومتحف الأردن ) .

2 ) اختراق وسط البلد : يسير الشارع شرقاً موازياً لـ شارع الملك طلال ، فيخترق قلب منطقة وسط البلد محاذياً للعديد من الأسواق الشعبية التراثية ( مثل سوق الخضار ، وسوق الجمعة القديم ، وسوق البخارية القريب من حي الشابسوغ ورأس العين ) .

3 ) الامتداد الشرقي : يواصل الشارع مساره متجهاً نحو الشرق محاذياً للمعالم الأثرية الكبرى مثل سبيل الحوريات والمدرج الروماني ( شارع الهاشمي ) .

4 ) نقطة النهاية : يمتد الشارع محاذياً لشارع الجيش باتجاه منطقة محطة الحجاز ( مجمع المحطة ) وصولاً إلى الأطراف التاريخية لمنطقة عين غزال .

​المصب النهائي : الالتقاء بنهر الزرقاء :

​كما تفضلتم تماماً في استنتاجكم ، فإن سيل عمّان لم يكن ينتهي في فراغ ، بل كان يتجه نحو الشمال الشرقي ليصبّ كرافد رئيسي وحيوي في نهر الزرقاء ( ثاني أكبر أنهار الأردن ) عند منطقة عين غزال ، متجاوزاً بذلك حدود العاصمة ليرفد حوض الزرقاء بمياهه التاريخية قبل أن يتابع نهر الزرقاء رحلته باتجاه الغرب نحو الرصيفة ومن ثم إلى مجراه الشهير .

​حين تمتد الأبصار اليوم بين مباني وسط البلد المزدحمة وتكتظ الشوارع بالمركبات والصخب التجاري ، يغيب عن خاطر المارة غالباً أنهم يطئون بأقدامهم فوق ضفاف عريقة لنهر خفي طالما صاغ هوية العاصمة وكتب طفولتها الأولى . إن سيل عمّان لم يختفِ حقاً بمجرد أن غطته كتل الأسفلت والخرسانة ، بل استوطن في الذاكرة الجمعية وتغلغل في مسامات التاريخ الأردني كشاهد صامت على براعة الإنسان في تطويع المكان وصنع الحياة من شحوب الصحراء ووفرة ينابيعها . وبقاؤه حياً في وجدان الرواة والكتب يعيد التذكير بأن المدن العظيمة تبنى على ضفاف الذاكرة قبل أن تقام على ضفاف الأنهار ، وأن حماية تاريخ الأمكنة وفهم جغرافيتها الأولى هو الحصن الأبدي لكي تبقى العاصمة شجراً طاب جذعه في أعماق الأرض وغنّت لرطوبته سماء الجبال .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) يوهان لودفيك بركهارت ، " رحلات في سوريا والديار المقدسة " ، 1822 .
  3. 2  ) جريدة الرأي الأردنية ، مقالات أرشيفية متفرقة حول " أيام النهر والسيل في وادي عمان الجميل " و " سقف سيل عمان وخطورة انسداده " .
  4. 3  ) وكالة عمون الإخبارية ، تقرير " حين غاب نهر عمّان عن الأنظار " ، 2013 .
  5. 4  ) الشبكات والمنصات التاريخية والتراثية ( historyofjordan1946 ) ، توثيق نشأة سيل عمّان وعمليات التسقيف عام 1964 .
  6. 5  ) أرشيف بلدية عمّان الكبرى / أمانة عمّان الكبرى ، دراسات وتاريخ مشروع تسقيف السيل ( 1964  – 1971 ) .
  7. 6  ) أدنان هاديجي ، " عمان فيلادلفيا : مظاهر العمران الروماني " ( دراسات دائرة الآثار العامة ) .
  8. 7  ) دراسات جغرافية وتاريخية عن حوض نهر الزرقاء وموقع عين غزال الأثري .
  9. 8  ) كتابات ودراسات الباحث والصحفي محمد أبو عريضة حول تاريخ عمّان وذاكرتها المكانية .
  10. 9  ) توثيق ومقالات الباحث عامر السلايمه في تتبع تاريخ وتراث مدينة عمّان .
  11. 10  ) دراسات الدكتورة هند أبو الشعر والدكتور محمد عدنان البخيت حول تاريخ الأردن الحديث والنشأة الاجتماعية لإمارة شرق الأردن .
  12. 11  ) الروايات والشهادات الشفهية الموثقة لرجال القوات المسلحة الأردنية ( الجيش العربي ) وسكان عمّان القدامى في خمسينيات القرن العشرين .