يُمثل سقوط الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1171 م محطة تاريخية كبرى لإعادة مصر إلى حاضنتها العقدية السنية وترسيخ وحدة الأمة الإسلامية .

سقوط الدولة الفاطمية وعودة مصر للمذهب السني

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُمثل حقبة الانتقال السياسي والعقدي في مصر خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي واحدة من أكثر المحطات مفصلية في تاريخ العالم الإسلامي . فعندما وضع صلاح الدين الأيوبي نهاية للخلافة الفاطمية ، لم يكن الأمر مجرد تبديلٍ لعرش سياسي أو إزاحةٍ لسلطة حاكمة ، بل كان إعلاناً عن إعادة توجيه بوصلة مصر الاستراتيجية والعقدية نحو العالم الإسلامي السني الممتد ، وتمهيداً حاسماً لتوحيد الجبهة الإسلامية الكبرى التي أثمرت لاحقاً عن تحرير بيت المقدس .

​دوافع وأسباب سقوط الدولة الفاطمية :

​عانت الدولة الفاطمية في أواخر عهدها من عوامل ضعف وتفكك داخلي وخارجي أفضت إلى نهايتها المحتومة ، وتتلخص أبرز أسباب سقوطها في الضعف السياسي والتفكك الداخلي نتيجة سيطرة الوزراء على مقاليد الحكم وإدارته بالنيابة عن الخلفاء الضعفاء ، ودخول البلاد في صراعات وفتن وثورات داخلية مستمرة أضعفت هيكل الدولة ، إلى جانب فشل المنهج المذهبي في مصر حيث ظل الشعب المصري متمسكاً بمذهب أهل السنة والجماعة طوال فترة الحكم الفاطمي ولم تلقَ الدعوة الشيعية القبول الشعبي الواسع ، فضلاً عن التهديد الصليبي المباشر وتزايد محاولات غزو مصر المتكررة ( مثل حملات عموري الأول ملك بيت المقدس ) ، مما استدعى حتمية وجود جبهة إسلامية موحدة وقوية لصد هذا الخطر وحماية ثغور الإسلام .

​تولي صلاح الدين الوزارة وبداية مسار التحول ( 1169 م ) :

​في السادس والعشرين من شهر مارس لعام 1169 م ( الموافق 564 هـ ) ، وفي ظل التحديات السياسية والعسكرية المتمثلة في التهديدات الصليبية وحالة التفكك الداخلي ، تولى الناصر صلاح الدين الأيوبي ( وهو صلاح الدين يوسف بن أيوب ، مؤسس الدولة الأيوبية وقائد عسكري إسلامي بارز اشتهر بشجاعته وحنكته السياسية ودفاعه عن ديار الإسلام في وجه الحملات الصليبية ، ونجح في توحيد مصر والشام والعراق ) وزارة مصر للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله ، وكان حينها شاباً في الثانية والثلاثين من عمره .

​برزت عبقرية صلاح الدين السياسية والعسكرية في إدراكه لضرورة إنهاء الانقسام الإسلامي المتمثل في وجود خليفتين متنافسين ( عباسي في بغداد وفاطمي في القاهرة ) . بدأ خطواته التدريجية الحكيمة بناءً على توجيهات السلطان نور الدين الزنكي القاضية بإعادة مصر إلى منهج أهل السنة والجماعة والدولة العباسية لتشكل عامل قوة ووحدة في الأمة ، في حين كان آخر الخلفاء الفاطميين هو العاضد لدين الله الفاطمي ( عبد الله بن الحسين ، رابع عشر الخلفاء الفاطميين وآخرهم في مصر ، والذي تولى الخلافة صغيراً تحت وصاية الوزراء حتى وافته المنية في العاشر من محرم سنة 567 هـ / 1171 م ، وحين أُخبر صلاح الدين باحتضاره ومواربة أمره أخفى عنه حقيقة سقوط دولته قائلاً بحكمة : « دعوه يموت في سلام » ) .

​إعلان السقوط الرسمي وتأسيس الدولة الأيوبية ( 1171 م ) :

​شهد مطلع محرم عام 567 هـ ( سبتمبر 1171 م ) تحولاً ميدانياً لافتاً ؛ فعندما أجمعت الآراء وتقدم الأمير العالم لخطبة الجمعة مبادراً بالدعاء للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله دون أن يلقى معارضة من أحد ، مَهّد ذلك الطريق أمام الخطوة الكبرى .

​وعليه ، أمر صلاح الدين الأيوبي في الجمعة الثانية من المحرم بتعميم قطع الخطبة للعاضد الفاطمي والدعاء للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله رسمياً في مساجد القاهرة والفسطاط . وعقب وفاة الخليفة العاضد في ذات الشهر ، انطوت صفحة الخلافة الفاطمية التي استمرت في مصر نحو مئتي عام ( نحو 202 عام ) . وعندئذٍ ، استقل صلاح الدين بالحكم منفرداً ، واستولى على قصور الخلافة وغنائمها وكنوزها الهائلة ، ووضع أفراد البيت الفاطمي تحت الإقامة الجبرية في موضع منفصل ، وأسس رسمياً الدولة الأيوبية المستقلة .

​مواجهة التحديات الداخلية وإحباط المؤامرات :

​بعد انفراد صلاح الدين بالحكم وإسقاط الخلافة الفاطمية ، واجه تحديات داخلية خطيرة تمثلت في محاولات فلول النظام الفاطمي والمنتمين للمذهب الشيعي استعادة نفوذهم عبر مؤامرة قادها الشاعر عمارة اليمني ( وهو نجم الدين محمد بن علي اليمني الحَكَمي ، أديب وشاعر كبير رحل من اليمن إلى مصر ومدح الخلفاء الفاطمين ووزرائهم ، وعُرف ببلاغته وفصاحته وشعره الرصين ، إلا أنه تورط في مؤامرة سياسية لإعادة الفاطميين بالتحالف الخارجي ) وبعض الموالين للفاطميين للتنسيق مع مملكة صقلية النورماندية الصليبية ؛ حيث دفعوا بالأموال لأسطول صقلية لمهاجمة السواحل المصرية ( وتحديداً الإسكندرية ) بهدف إشغال صلاح الدين وجيشه ، بينما يثب المتآمرون في القاهرة على من تبقى من حاميتها لإعادة إحياء الخلافة الفاطمية .

​بيْد أن عيون استخبارات صلاح الدين رصدت التحركات ، فأرسل تعزيزات عسكرية حاسمة لصد الهجوم الساحلي ، وقبض على قادة الانقلاب الداخلي وفي مقدمتهم عمارة اليمني ، ليتم القضاء على التمرد جذرياً وإعدامه صلباً جزاء خيانته السياسية .

​سياسة الإزاحة والإحلال ( ترسيخ المذهب السني ) :

​عقب استتباب الأمور السياسية وإحباط المحاولات الانقلابية ، أخذ صلاح الدين على عاتقه إعادة مصر إلى المذهب السني عبر سياسة منهجية هادئة وحازمة قوامها إزاحة مظاهر المذهب الشيعي وإحلال السنن السنية مكانها :

​1 ) في العبادات والشعائر : أمر بإلغاء عبارات الأذان الشيعية مثل ( حي على خير العمل ) وإعادتها إلى صيغتها السنية ( حي على الفلاح ) ، مع إيقاف الجهر بالبسملة ، وإعادة إحياء الصلوات المنسية مثل صلاة الضحى وصلاة التراويح .

2 ) في التدوين والفكر : أتلف وأحرق الكتب والمؤلفات ذات الطابع الشيعي الإسماعيلي التي كانت منتشرة في دور العلم الفاطمية ومكتبة القصر .

3 ) الأعياد والمظاهر العامة : ألغى كافة الأعياد والمواسم المذهبية الفاطمية .

4 ) النقوش والعملة : حذف من السكة والعملات والدينار عبارة « عليٌّ ولي الله » ، وأطلق الألسنة والبحوث التاريخية للتشكيك في نسب الخلفاء الفاطميين إلى آل البيت .

5 ) إغلاق المساجد الكبرى مؤقتاً : أصدر مرسوماً بمنع إقامة صلاة الجمعة في الجامع الأزهر وجامع الحاكم بأمر الله ، واستمر هذا الإغلاق والتعليق نحو مائة عام ، إلى أن أعاد السلطان الظاهر بيبرس فتح الجامع الأزهر للصلاة سنة 1266 م بعد استتباب المذهب السني تماماً في مصر .

​النهضة التعليمية وبناء المدارس السنية :

​تتويجاً لتلك الإصلاحات العقدية والإدارية ، ولضمان استدامة الفكر السني ، أرسى صلاح الدين دعائم علمية راسخة عبر إنشاء المدارس الكبرى التي تُدرس المذاهب الفقهية الأربعة ؛ حيث أُنشئت المدرسة الناصرية ( 1170 م ) بجوار الجامع العتيق لتدريس الفقه الشافعي ، وخُصصت المدرسة القمحية للمذهب المالكي ، والمدرسة السيوفية للمذهب الحنفي ، والمدرسة الصلاحية ( 1176 م ) التي حملت اسمه المبارك وكرست لعلوم الفقه والحديث .

​كما عزل قضاة الشيعة ودعاتهم واستبدلهم بقضاة وفقهاء من أهل السنة والجماعة ، حتى انحسر المذهب الشيعي تدريجياً من مصر إلى أن نُسي تماماً ، وتحولت مصر إلى حصن من حصون السنة المعززة للوحدة الإسلامية .

​تظل هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر الإسلامية شاهدة على حنكة القادة الكبار الذين استطاعوا بحكمة ومثابرة إعادة لحمة الأمة ووصف صفها ، ليقودوا الأمة نحو آفاق النصر والتمكين .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) القرآن الكريم .
  3. ​2 ) ابن شداد ، بهاء الدين يوسف بن رافع . ( 2008 م ) . الـنـوادر السـلطانية والمحاسن اليوسفية ( سيرة صلاح الدين الأيوبي ) . القاهرة : دار الفكر .
  4. ​3 ) ابن الأثير ، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد . ( 2003 م ) . الكامل في التاريخ . بيروت : دار الكتب العلمية .
  5. ​4 ) المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي . ( 1996 م ) . اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلففا . القاهرة : المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .
  6. ​5 ) عاشور ، سعيد عبد الفتاح . ( 1970 م ) . الحركة الصليبية : حركة تاريخية في العصور الوسطى . القاهرة : دار النهضة العربية .
  7. ​6 ) الصلابي ، علي محمد . ( 2008 م ) . الدولة الأيوبية : صقر الإسلام صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتوحيد المسلمين . القاهرة : مؤسسة اقرأ .