يستعرض هذا المقال ، المسيرة التاريخية للجيش الإنكشاري العثماني ، بدءاً من نشأته كقوة نخبوية ، مروراً بدوره في الفتوحات ، وصولاً إلى انحرافه السياسي ونهايته الدرامية .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتوسّط صفحات التاريخ العثماني مؤسسة عسكرية فريدة أثّرت بشكل عميق في مسار الإمبراطورية منذ بواكير تأسيسها وحتى لحظات أفولها الأخيرة . فقد مثّل الجيش الإنكشاري نواة صلبة وقوة ضاربة استند إليها السلاطين في توسيع رقعة الملك وتوطيد أركان الحكم ، قبل أن تتحول هذه المؤسسة ذات يوم إلى قوة مهيمنة تتجاوز دورها العسكري المعتاد وتفرض كلمتها على عرش السلطنة ذاته . وحين يتأمل الباحث تفاصيل تلك المسيرة الطويلة ، تتكشف له أبعاد معقدة تتقاطع فيها عبقرية التخطيط العسكري مع إشكاليات الصراع السياسي وانعكاسات الانغلاق المؤسسي على مصير الدول الكبرى .
أولاً : النشأة والفكرة التأسيسية
- بذور التأسيس : تأسست الفرقة الإنكشارية ( الجيش الجديد " يني جيري " ) بمبادرة من الصدر الأعظم قرة خليل خير الدين باشا بالتعاون مع الأمير علاء الدين باشا ، في عهد السلطان مراد الأول ( أو أواخر عهد والده أورخان بن عثمان ) حوالي عام 1363 م . جاءت الفكرة لإنشاء جيش نظامي محترف ومستقل عن التبعية القبلية ، مستلهماً في جوهره نظام المماليك الذين أقاموا دولة قوية في مصر والشام .
- نظام الدوشيرمة : اعتمد التأسيس على نظام " الدوشيرمة " أو " ضريبة الدم " ، حيث جُمع الفتية من الأقاليم المفتوحة ، وخضعوا لإعداد عقائدي مكثف وتربية عسكرية صارمة في ثكنات خاصة ، ليصبحوا صنيعة الدولة العثمانية التي تعهدتهم بمبدأ : « لا يعرفون حرفة إلا العسكرية ، ولا أب إلا السلطان » .
ثانياً : الرابط الروحي ( البكتاشية )
لم تكن الفرقة مجرد آلة قتالية ، بل حُصنت بروابط روحية وثيقة بالطريقة البكتاشية ومؤسسها الحاج بكتاش ولي . انعكس هذا الارتباط في أزيائهم ، حيث حملت قلنسوتهم ( البورك ) قطعة قماش متدلية ( اليلديرمة ) تيمناً بخرقة الشيخ ، كما رافقهم مشايخ " بابا الإنكشارية " في الثكنات والميادين ، مما منحهم حصانة معنوية واستقلالية فكرية مميزة .
ثالثاً : الأهداف والوظائف الكبرى
- رأس الحربة : كانوا العماد الضارب في الفتوحات الكبرى ، من كوسوفو إلى فتح القسطنطينية وجالديران ، وصولاً إلى معارك الشام ومصر وموهاكس .
- الأمن والانتشار : شكلوا الحرس الخاص للسلطان في إسطنبول ، كما تواجدوا كحاميات عسكرية في القلاع الاستراتيجية والمدن الحدودية لضبط الأمن وقمع التمردات .
- الامتيازات الاقتصادية : تمتعت الفرقة برواتب منتظمة وإعفاءات ضريبية ، ومع الزمن انخرطوا في الحرف والتجارة ، مما زاد من نفوذهم المجتمعي .
رابعاً : شخصيات بارزة من رحم الإنكشارية
لم يقتصر دور هذا النظام على الجندية ، بل كان مصنعاً حقيقياً للقيادة ، ومن أبرز مخرجاته :
- الصدر الأعظم صوقلو محمد باشا : مهندس سياسات الدولة في ذروة مجدها ، والذي تدرج من الغلمان حتى قاد الفرقة ووصل لمنصب الصدارة العظمى .
- الصدر الأعظم أحمد باشا الهرسكي : الذي كان ركيزة للإدارة والقيادة العسكرية في عهدي بايزيد الثاني وسليم الأول .
- محمد علي باشا ( مؤسس الأسرة العلوية ) : يُعد من أبرز النماذج التي تشربت النظم العسكرية العثمانية ، حيث بدأ مسيرته في الوحدات العسكرية في مقدونيا ، لينطلق بعدها إلى مصر عام 1801 م ، مؤسساً سلالة حكمت مصر والسودان لأكثر من قرن ونصف ، ناقلةً إياها إلى العصر الحديث عبر نهضة شاملة وبناء جيش نظامي حديث .
خامساً : الانحراف ومسار السقوط
مع توقف الفتوحات ، تحول الإنكشارية من حماة للدولة إلى قوة معطلة للتنمية والإصلاح :
- التدخل السياسي : هيمنوا على تنصيب وعزل السلاطين ، فكان خلع أو قتل السلطان هو المصير المحتوم لمن لا يخضع لمطالبهم ، وهو ما طال قرابة اثني عشر سلطاناً .
- الوصاية الفكرية : تدخلوا في الفتاوى والقرارات الإدارية ، وعرقلوا محاولات التحديث العسكري .
- الواقعة الخيرية : بعد محاولات إصلاح فاشلة ، اتخذ السلطان محمود الثاني قراره الحاسم عام 1826 م . فبعد عصيان الإنكشارية ، واجههم السلطان بقوة المدافع والجيش النظامي الجديد ، لينهي حقبة الفرقة للأبد ، ويحظر الطريقة البكتاشية ، فاتحاً الباب لمرحلة جديدة من التحديث .
تظل قصة الإنكشارية درساً تاريخياً خالداً ؛ فالمؤسسات مهما بلغت من القوة ، تفقد مبرر وجودها إذا انحرفت عن وظيفتها الأساسية وانغمست في صراعات السلطة . إن بقاء الدول مرهون بقدرتها الدائمة على التجدد ، والتمسك بالانضباط ، وحماية مقدرات الأمة من الاستبداد والانغلاق .










قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) إبراهيم أقالين ، تاريخ المؤسسات العسكرية العثمانية : فرقة الإنكشارية بين التأسيس والتوسّع .
- 2 ) محمد حرب ، العثمانيون في التاريخ والحضارة : دراسة في نظم الحكم والجيش .
- 3 ) كارل بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية : العصر العثماني وتحولات السلطنة .
- 4 ) أرشيف الوثائق العثمانية والدفاتر الرسمية المتعلقة بالفرقة الإنكشارية وتطوراتها الإدارية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.