يُجسِّد المقال ( رؤيةً تحليليةً ) شاملةً تُبينُ الفرقَ ( الجغرافيَّ والتاريخيَّ ) بين ( فلسطين التاريخية ) و ( الضفة الغربية ) ، مُسلطاً ( الضوءَ ) على ( المحطات الحضارية ) والوحدةِ الأردنيةِ الفلسطينيةِ ( بكل أبعادها ) .
حقيقة الجغرافيا والهوية : الفرق الشامل بين الضفة الغربية وفلسطين التاريخية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يشهد الخطاب الإعلامي والثقافي المعاصر أحياناً نوعاً من الخلط أو التداخل في المفاهيم لدى البعض عند الحديث عن الجغرافيا السياسية والتاريخية في بلاد الشام ، وتحديداً بين مفهوم ( فلسطين ) بمعناها التاريخي والواسع وبين ( الضفة الغربية ) كجزء جغرافي وإداري محدد منها . إن فهم هذا الفرق لا يقتصر على حدود الخرائط المرسومة فحسب ، بل يمتد ليطال أبعاداً تاريخية ، وجغرافية ، وديموغرافية ، ومناخية ، واقتصادية ، وقانونية ، وهوياتية عميقة تعبر عن ثبات الانتماء وعراقة الجذور . وفي هذا السياق التاريخي والسياسي ، تبرز محطة الوحدة بين الأردن والضفة الغربية كعلامة فارقة تحمل أسباباً موجبة ، وظروفاً تاريخية دقيقة ، ونتائج عميقة طبعت تاريخ المنطقة بأسرها .
المفهوم الشامل لفلسطين ( فلسطين التاريخية ، جغرافيتها ، ومناخها ) :
الموقع الفلكي والجغرافي : تقع فلسطين في غرب قارة آسيا في قلب العالم القديم عند ملتقى قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا . يحدها شمالاً لبنان ، وشرقاً سوريا والأردن ، وجنوباً خليج العقبة ، وغرباً البحر الأبيض المتوسط ، ومن الجنوب الغربي مصر .
المساحة والحدود والسكان : تبلغ مساحة فلسطين التاريخية الإجمالية نحو 27 ألف كيلومتر مربع ( وتشمل المساحات المتفرقة وبحيرات الشمال ونصف مساحة البحر الميت ) ، ويقدر عدد السكان بـ 15 مليون نسمة . عاصمتها الخالدة القدس ، ومن أكبر مدنها بعدد السكان : القدس ( 1.1 مليون نسمة ) ، غزة ( 1 مليون نسمة ) ، خان يونس ( 601 ألف ) ، الخليل ( 405 ألف ) ، دير البلح ( 320 ألف ) ، ونابلس ( 206 ألف نسمة ) .
التقسيم الإداري المعاصر : تقسم فلسطين في الوقت الحالي إلى القسم المحتل من قبل الصهاينة ( وتبلغ مساحته 21 ألف كم² ) والسلطة الوطنية الفلسطينية ( ومساحتها 6 آلاف كم² ) .
التنوع والتضاريس والمسطحات المائية : تتميز فلسطين بتنوع تضريسي فريد :
1 ) السهل الساحلي : الممتد على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط .
2 ) سلسلة الجبال الوسطى : التي تقع في وسط فلسطين وتمتد من الحدود مع لبنان شمالاً وحتى الخليل في الوسط ، وتضم أعلى قمة فيها وهي جبل الجرمق في منطقة الجليل شمال البلاد بارتفاع 1208 م ( إلى جانب جبال نابلس وجبال القدس وجبل النبي يونس الذي يصل ارتفاعه إلى 1030 م ) .
3 ) غور الأردن والأنهار والبحيرات : يشكل جزءاً من الأخدود الأفريقي العظيم . ويُعد نهر الأردن أطول نهر في فلسطين ، إذ ينبع من جبال سوريا ولبنان ويتجه جنوباً ليمر في بحيرة طبريا ( أكبر بحيرة في فلسطين وتقع في شمال شرق البلاد عند الحدود مع سوريا عند انخفاض 212 م تحت سطح البحر وبمساحة 166 كم² ) ويصب في البحر الميت ( أخفض نقطة على سطح الأرض بحوالي -429 م ) .
4 ) صحراء النقب : تشغل صحراء النقب في جنوب فلسطين 50 % من المساحة العامة ، ويعيش فيها قبائل عربية منذ القديم يبلغ عددهم حوالي 400 ألف نسمة يعملون في تربية الأغنام والماعز والجمال وزراعة القمح والشعير .
الخصائص المناخية والأقاليم : تتمتع فلسطين بشكل عام بمُناخ البحر المتوسط ( صيف حار وجاف ، وشتاء معتدل ورطب ) ، مع تنوع واختلاف كبيرين في الأقاليم المناخية بسبب التضاريس والموقع الجغرافي :
صيف فلسطين : حار وجاف في معظم المناطق ، حيث تتراوح درجات الحرارة العظمى في السهول بين ( 25 - 30 ) م ، وفي المرتفعات الجبلية بين ( 20 - 26 ) م ، بينما ترتفع في الأغوار ووادي الأردن لتصل إلى ( 28 - 35 ) م أو أكثر .
شتاء فلسطين : معتدل إلى بارد ورطب وتتركز فيه معظم الأمطار ( بين 250 إلى 800 ملم سنوياً ) ، حيث تنخفض درجات الحرارة في المرتفعات الجبلية لتصل أحياناً إلى أقل من ( 8 - 10 ) م ، بينما تشهد المرتفعات العالية تساقطاً للثلوج أحياناً .
الأقاليم المناخية الأساسية : إقليمم مُناخ البحر المتوسط ( في المرتفعات والسهول ) ، والإقليم شبه الجاف أو السهوب ( في المناطق الانتقالية ) ، والإقليم الصحراوي وشبه الصحراوي ( في صحراء النقب وأجزاء من وادي الأردن وجنوب البحر الميت ) .
الموارد الطبيعية والاقتصادية والزراعية :
الموارد الطبيعية : تضم النفط ، الغاز الطبيعي ، الفوسفات ، البوتاس ، الحديد ، النحاس ، المنغنيز ، والأملاح .
المنتجات الصناعية : المواد الكيماوية ، الأسمنت ، الزجاج ، الخزف ، مواد البناء ، النسيج ، الصناعات اليدوية ، والمواد الغذائية .
الزراعة : تشتهر بزراعة القمح ، الشعير ، البقول ، الخضار ، التين ، الزيتون ، العنب ، اللوز ، النخيل ، والحمضيات .
تسلسل الحضارات والإمبراطوريات التي تعاقبت على فلسطين :
مرّت على أرض فلسطين عبر التاريخ الطويل مجموعة متعاقبة من الحضارات والإمبراطوريات التي تركت بصماتها العميقة وفق التسلسل الزمني الآتي :
1 ) عصر ما قبل التاريخ ( العصور الحجرية ) : شهدت حضارات مبكرة ومستقرة مثل الحضارة النطوفية في أريحا وعين ملاحة ، تلاها العصر النحاسي ( الحضارة الغسولية ) .
2 ) العصر البرونزي ( حوالي 3300 - 1200 ق . م ) : شهد نشأة الحضارة الكنعانية العريقة وبناء أولى المدن والحواضر التاريخية ( وأبرزها أريحا أقدم مدينة محصنة في التاريخ ) ، وتخلل ذلك نفوذ المملكة المصرية القديمة والغزو الهكسوسي .
3 ) العصر الحديدي ( حوالي 1200 - 539 ق . م ) : تميّز باستيطان القبائل العبرية وقيام الممالك المتحدة ثم المنقسمة ، تليها الغزوات والسيطرة الآشورية والبابليون ( وسقوط القدس عام 586 ق . م ) .
4 ) الفترة الفارسية ( 539 - 332 ق . م ) : خضوع المنطقة للإمبراطورية الفارسية الأخمينية بعد هزيمة البابليون ، والسماح لليهود بالعودة .
5 ) الفترة الهلنستية ( 332 - 37 ق . م ) : دخول الإسكندر الأكبر عام 332 ق . م وصراع خلفائه ( البطلمية والسيليوقية ) على حكم المنطقة .
6 ) الفترة الرومانية ( 63 ق . م - 324 م ) : دمج فلسطين في الإمبراطورية الرومانية عام 63 ق . م ، وقمع الثورات ، وإطلاق اسم ( " سوريا فلسطين " ) ( Syria Palaestina ) على المنطقة عام 135 م .
7 ) الفترة البيزنطية ( 324 - 638 م ) : انتقال الحكم إلى الإمبراطورية البيزنطية وانتشار المسيحية وتحولها لديانة رسمية .
8 ) الفترة الإسلامية الأولى ( الخلافة الإسلامية : 638 - 1099 م ) : الفتح الإسلامي العظيم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( 634 - 636 م عبر معركتي أجنادين واليرموك ) ، وشملت حكم الخلفاء الراشدين ، والأمويين ، والعباسيين ، والطولونيين ، والإخشيديين ، والفاطميين .
9 ) الحملات الصليبية ( 1099 - 1187 م وما بعدها ) : احتلال الصليبيين لأجزاء واسعة وإقامة مملكة بيت المقدس ، قبل أن يحررها القائد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين المباركة .
10 ) الفترة الإسلامية اللاحقة ( الأيوبيون والمماليك : 1187 - 1517 م ) : حكم الدولة الأيوبية ثم المماليك لمصر والشام وفلسطين وازدهار الحواضر العلمية والدينية .
11 ) الفترة العثمانية ( 1517 - 1917 م ) : خضوع فلسطين لحكم الدولة العثمانية منذ دخول جيوش السلطان سليم الأول عام 1517 م وحتى عام 1917 م ( أربعة قرون متتالية شهدت عهد السلطان سليمان القانوني وترميم أسوار القدس وقبة الصخرة ) .
12 ) الانتداب البريطاني ( 1917 - 1948 م ) : وقوع فلسطين تحت السيطرة البريطانية عقب الحرب العالمية الأولى وصدور وعد بلفور المشؤوم عام 1917 م لدعم إقامة وطن قومي لليهود ، وقيام بريطانيا بدعم المنظمات الصهيونية بالمال والسلاح حتى انسحابها في 15 أيار 1948 م .
13 ) العصر الحديث ( 1948 - الآن ) : انتهاء الانتداب ، ونكبة عام 1948 م ( التي يمر اليوم ذكرى مرور 78 عاماً عليها ) ، وقيام إسرائيل على نحو 78 % من مساحة فلسطين التاريخية بعد تهجير معظم السكان ، وبدء المقاومة الفلسطينية بشكل غير منظم حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 م لنيل الاستقلال ، وما تبع ذلك من تطورات ونزاعات مستمرة .
مفهوم الضفة الغربية :
التعريف الجغرافي والحدودي : الضفة الغربية هي منطقة جغرافية محددة تقع في وسط وشرق فلسطين التاريخية ، وتستمد اسمها من واقع وقوعها على الضفة الغربية لنهر الأردن وللبحر الميت ، حيث يفصلها عن الأردن نهر الأردن والبحر الميت .
المساحة والسكان والعاصمة : تبلغ مساحتها ( 5660 إلى 5842 ) كيلومتراً مربعاً ( أي تقريباً 21 % من مساحة فلسطين الانتدابية ) ، ويبلغ عدد سكانها 3.2 مليون نسمة . عاصمتها الحالية مدينة رام الله ( التي يبلغ عدد سكانها 40 ألف نسمة ) .
أكبر المدن والتقسيم الإداري :
أكبر المدن بعدد السكان ( بالآلاف ) : الخليل ( 201 ) ، نابلس ( 171 ) ، طولكرم ( 80 ) ، يطا ( 63 ) ، جنين ( 60 ) ، البيرة ( 52 ) ، قلقيلية ( 52 ) ، بيت لحم ( 42 ) ، دورا ( 40 ) ، الظاهرية ( 36 ) ، وأريحا ( 25 ) .
المحافظات الإدارية الـ 11 : القدس الشرقية ، جنين ، طوباس ، طولكرم ، نابلس ، قلقيلية ، سلفيت ، رام الله والبيرة ، أريحا ، بيت لحم ، والخليل .
مخيمات اللاجئين : يوجد في الضفة الغربية 24 مخيماً للاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا بعد احتلال إسرائيل لفلسطين عام 1948 م ، وأكبرها : مخيم بلاطة ( 42 ألف لاجئ ) ، جنين ( 36 ألفاً ) ، عسكر ( 33 ألفاً ) ، الفارعة ( 17 ألفاً ) ، الدهيشة ( 11 ألفاً ) ، شعفاط ( 10 آلاف ) ، الجلزون ( 10 آلاف ) ، قلنديا ( 10 آلاف ) ، والعروب ( 10 آلاف لاجئ ) .
الوضع السياسي والتحولات ( 1967 - 1993 وما بعدها ) :
احتلال 1967 م : احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 م ( بالإضافة إلى الجولان السوري ، وسيناء المصرية التي انسحبت منها لاحقاً بموجب اتفاقية سلام عام 1978 م ) .
اتفاقية أوسلو ( 1993 م ) : في عام 1993 م تم عقد اتفاقية للسلام في أوسلو ( عاصمة النرويج ) بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ، ونصت على فترة انتقالية بين 3 إلى 5 سنوات لإقامة حكم ذاتي انتقالي في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ثم التفاوض للوصول إلى تسوية دائمة ( مثل إقامة الدولة الفلسطينية ، حل موضوع القدس واللاجئين ، ومصير المستوطنات والحدود ) .
الواقع الميداني : ثلاثون عاما مرت ولم تطبق إسرائيل اتفاقية السلام ، بل زادت في التوسع ببناء المستوطنات في الضفة الغربية ، وصادرت الأراضي من الفلسطينيين ، ووضعت جداراً حول الضفة الغربية ، وحواجز عسكرية بين المدن والقرى ، وأقامت الطرق بين المستوطنات وربطتها بمناطق داخل فلسطين .
البُعد الجيوسياسي والديموغرافي المعاصر :
التوزيع السكاني والخصائص الديموغرافية : يُظهر التوزيع الديموغرافي في فلسطين التاريخية والضفة الغربية تفاعلاً فريداً بين النمو السكاني المرتفع والضغط الديموغرافي المفروض بفعل سياسات الاستيطان . يبلغ معدل النمو السكاني في الضفة الغربية نحو 2.4 % سنوياً ، مما يعكس مجتمعاً فتياً ترتفع فيه نسبة الشباب دون سن العشرين عاماً ، وهو ما يشكل طاقة بشرية هائلة تحدوها تطلعات البناء والتحرر والصمود .
شبكة المياه والأحواض الجوفية : تُعد الحوض الجوفي الشرقي ، والغربي ، والشمالي في الضفة الغربية عصب الحياة الزراعية والاقتصادية ، إذ تسيطر إسرائيل على الجزء الأكبر من مصادر المياه الجوفية ومياه نهر الأردن ، مما يفرض تحديات جليلة أمام قطاع الزراعة والتنمية المستدامة في المدن والقرى الفلسطينية .
أوجه الخلط والفرق الجوهري بين المفهومين :
الكل والجزء : يكمن الخطأ الأساسي لدى من يخلطون بين الأمرين في اعتبار " الضفة الغربية " هي كل فلسطين ، بينما الحقيقة الجغرافية والتاريخية تؤكد أن الضفة الغربية هي جزء فقط ( حوالي 21 % ) من فلسطين التاريخية الكلية . ففلسطين أوسع بكثير من حيث المساحة والامتداد الجغرافي والتاريخي ، وتشمل الضفة الغربية ، قطاع غزة ، القدس ، وأراضي عام 1948 م .
الوضع القانوني والإداري : في حين أن فلسطين التاريخية تمثل القضية الأم والوطن التاريخي الشامل بشقيه المحتل عام 1948 م ومناطق السلطة الفلسطينية ، فإن الضفة الغربية تحمل خصوصية ميدانية وسياسية وقانونية باعتبارها منطقة شهدت ولا تزال تحولات صراعية واستعمارية كبرى منذ منتصف القرن العشرين .
أبرز المعارك والأحداث التاريخية الفاصلة :
شهدت أرض فلسطين والضفة الغربية عبر تاريخها محطات كبرى ومعارك خالدة صنعت وجه المنطقة وخلدت صمود أهلها :
معركة مجدو ( القرن الخامس عشر ق . م ) : من أقدم المعارك التاريخية المدونة بين الفراعنة وتحالف أمراء الشام .
ثورة القسام ( 1935 م ) : انطلاق الكفاح المسلح المنظم بقيادة الشهيد الشيخ عز الدين القسام في جبال جنين ونابلس ، والتي مثلت منعطفاً استراتيجياً في تاريخ المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني .
الفتوح الإسلامية ومعركتا أجنادين واليرموك ( 634 - 636 م ) : البوابة الكبرى لدخول الإسلام إلى فلسطين وبلاد الشام ، تلتها العهدة العمرية وتسلم مفاتيح القدس .
معركة حطين ( 1187 م ) : النصر العظيم بقيادة صلاح الدين الأيوبي لتحرير بيت المقدس وباقي المدن الفلسطينية .
معركة باب الواد واللطرون ( 1948 م ) : الملحمة البطولية للجيش العربي الأردني والمناضلين الفلسطينيين دفاعاً عن أبواب القدس .
حرب حزيران 1967 م : النكسة التي أسفرت عن وقوع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال العسكري .
معركة الكرامة الخالدة ( 1968 م ) : الرد التاريخي المظفر لسواعد الجيش العربي الأردني والمقاومة محطمة أسطورة الجيش الإسرائيلي ، إذ لم تقتصر أهميتها على البعد العسكري فحسب ، بل شكلت نقطة تحول كبرى في إعادة الاعتبار للروح العربية والقومية ، وأثبتت أن الإرادة الصلبة قادرة على كسر الغطرسة العسكرية .
الانتفاضات الشعبية المتعاقبة ( انتفاضة الحجارة 1987 م وانتفاضة الأقصى 2000 م ) : محطات نضالية كبرى جسدت فيها جماهير الضفة الغربية وفلسطين أروع صور التحدي والصمود بوجه الاحتلال .
الوحدة بين الأردن والضفة الغربية : الجذور ، الأسباب ، والنتائج :
تُعد مرحلة الوحدة بين الضفة الغربية وشرق الأردن محطة تاريخية بالغة الأهمية تشابكت فيها الروابط القومية والجغرافية والاجتماعية :
متى تمت الوحدة وفي أي عهد ؟ تمت الوحدة الرسمية والسياسية بين الضفتين في عهد الملك عبد الله الأول بن الحسين ( ملك المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك ) ، وذلك إثر ( مؤتمر أريحا ) الذي عقده وجهاء وأعيان وممثلو الضفة الغربية في كانون الأول / عام 1948 م ، وتوج ذلك بقرار البرلمان الأردني ( مجلس الأمة بشقيه الأعيان والنواب ) إقرار وحدة الضفتين الشرقية والغربية في ( نيسان عام 1950 م ) لتصبح البلاد دولة واحدة .
متى انتهت الوحدة ؟ استمرت هذه الوحدة الإدارية والقانونية طيلة فترة الحكم الأردني حتى حرب حزيران / يونيو عام 1967 م ( النكسة ) حين وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي . وفي عام 1988 م ، اتخذ العاهل الأردني الراحل الملك الحسين بن طلال قرار ( قك الارتباط الإداري والقانوني ) مع الضفة الغربية بناءً على طلب منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتكريساً للهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة .
الأسباب الموجبة للوحدة بين الضفة الغربية والضفة الشرقية ( الأردن ) :
1 ) الروابط التاريخية والقومية والدم الواحد : وحدة الدم والنسب والتاريخ المشترك والعلاقات العائلية والقبائلية الممتدة على جانبي نهر الأردن منذ أقدم العصور .
2 ) وحدة الجغرافيا والامتداد الطبيعي : نهر الأردن لم يكن عائقاً بل كان شريان وصل ووحدة جغرافية طبيعية بين الضفتين .
3 ) الحاجة الأمنية والاقتصادية والاستقرار : في أعقاب حرب عام 1948 م واللجوء وتداعياتها الكارثية ، تطلبت الضرورة الملحة توفير مظلة أمنية وإدارية واقتصادية تحمي ما تبقى من أراضي فلسطين وسكانها من التمدد الاستعماري وتؤمن لهم مقومات العيش والاستقرار .
لماذا لجأ أهل فلسطين / أهل الضفة الغربية للاندماج في وحدة مع الأردن ؟
تأمين الحماية والدفاع المشترك : رغبة أهل فلسطين في إيجاد سند سياسي وعسكري قوي ومستقر يدافع عن الأرض والمقدسات في وجه الأخطار المحدقة .
الحفاظ على الحقوق واستمرارية الحياة المدنية والإدارية : الحصول على الأوراق الثبوتية ، جوازات السفر الأردنية ، والانخراط في مؤسسات الدولة والتعليم والعمل ، مما سهل حركة الفلسطينيين وتواصلهم مع العالم الخارجي .
العمق العربي والإسلامي : إيمان أهل الضفة الغربية بأن الأردن هو السند الأقرب والأميز بحكم الجيرة والعروبة والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس .
النتائج التي ترتبت على دمج الضفة الغربية مع الأردن :
1 ) منح الهوية والجنسية : حصول أبناء الضفة الغربية على الجنسية الأردنية الكاملة وكافة حقوق المواطنة والمشاركة السياسية في البرلمان ومؤسسات الدولة .
2 ) الاندماج الاقتصادي والاجتماعي : ربط شرايين الاقتصاد والبنية التحتية والتعليمية والصحية بين الضفتين ، وتخفيف حدة أزمة اللجوء والفقر التي خلفتها حرب 1948 م .
3 ) استمرار الرعاية المقدسة والدبلوماسية : تعزيز موقف الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وتثبيت الصمود البشري والمؤسسي في الضفة الغربية والقدس تحت مظلة واحدة .
سر المكانة والترابط التاريخي والحضاري :
عند تأمل الارتباط العضوي بين الضفة الغربية وفلسطين العميق ، يتضح جلياً أن هذا الجزء الغالي من الوطن احتضن أقدم وأعرق محطات الاستقرار البشري والحضاري في التاريخ :
العمق الزراعي والمائي : تتميز الضفة الغربية وفلسطين بخصوبة تربتها ، ووفرة ينابيعها وأحواضها الجوفية ، وتنوع تضاريسها بين المرتفعات الجبلية والأغوار الدافئة ( حيث توجد مدينة أريحا أقدم مدينة محصنة في التاريخ ) ، مما جعلها حاضنة أولى للمجتمعات الزراعية المستقرة .
طرق التجارة والملتقى الحضاري : شكلت الجبال والسهول والممرات التاريخية جزءاً لا يتجزأ من شبكات التجارة القديمة التي ربطت بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر وحوض المتوسط ، وشهدت أطول مسارات التفاعل الثقافي والبشري .
الرمزية الدينية والوطنية : تضم فلسطين والضفة الغربية درر التاج الإسلامي والمسيحي ، كالقدس الشريف بمسجدها الأقصى ومقدساتها ، والمسجد الإبراهيمي في الخليل ، وكنيسة المهد في بيت لحم ، وهي معالم تجسد روح فلسطين التاريخية بأسرها .
يُجسِّد المقال ( رؤيةً تحليليةً ) شاملةً تُبينُ الفرقَ ( الجغرافيَّ والتاريخيَّ ) بين ( فلسطين التاريخية ) و ( الضفة الغربية ) ، مُسلطاً ( الضوءَ ) على ( المحطات الحضارية ) والوحدةِ الأردنيةِ الفلسطينيةِ ( بكل أبعادها ) .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) كتاب بلادنا فلسطين ( مصطفى الدباغ ) .
- 2 ) تاريخ فلسطين الحديث ( عبد الوهاب الكيالي ) .
- 3 ) جغرافية فلسطين وتضاريسها ( د . محمد صقر مخيمر ) .
- 4 ) تاريخ الأردن المعاصر : وثائق ومواقف ( الدكتور سليمان الموسى ) .
- 5 ) وثائق أرشيف مؤتمر أريحا وقرارات وحدة الضفتين ( 1948 - 1950 م ) .
- 6 ) الدراسات والأبحاث التاريخية المتعلقة بالجغرافيا السياسية لبلاد الشام .
- 7 ) القضية الفلسطينية : خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة ( د . محسن محمد صالح ) .
- 8 ) الجغرافيا التاريخية لفلسطين وشرق الأردن ( دراسات أثرية وميدانية ) .
- 9 ) موسوعة النكبة الفلسطينية ( عارف العارف ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.