تستعرض المقالة أدرج عَمان بوصفها شرايين حيوية وذاكرة شعبية ومكاناً إبداعياً في الأدب الأردني .
أدراج عمان : عروق تنبض بذاكرة المكان والأدب
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتألق العاصمة عَمان بملامح جغرافية فريدة صاغتها تضاريسها المتمتعة بالامتداد على سفوح الجبال وقممها ، ومن قلب هذا التناغم بين قمم العاصمة وقاعها ، وُلدت " أدرج عَمان " التي تزيد عن خمسمائة درج تحوي في مجموعها ما يقارب المليون درجة حجرية ، لتتجاوز كونها مجرد ممرات لعبور المشاة أو اختصار للمسافات ، متحولة إلى شرايين حيوية وذاكرة شعبية حيّة تختزل حكاية المدينة وتطورها التاريخي والاجتماعي .
طبوغرافيا الجبال ونشأة الشرايين الحجرية :
فعندما بدأت عَمان تتسع مع بدايات تخطيطها الحديث وتأسيساً على طبيعتها الجبلية الصلبة ، ظهرت الحاجة الملحة لربط الجبال ( مثل جبل عمان ، واللويبدة ، والتاج ، والقلعة ) بالوديان ووسط البلد ، وذلك عبر سلالم حجرية بُنيت غالباً في الثلاثينيات م بأيدي بناؤين ماهرين باستخدام الحجر المنحوت ، لتشكل وسيلة تنقل أساسية ومجانية للسكان صعوداً ونزولاً قبل توفر وسائل النقل العامة . وقد حمل العديد منها أسماء عائلات وشخصيات عُمانية بارزة أثّرت في تاريخ المدينة وتركيبتها ، مثل درج الكلحة ( الذي يضم ١١٢ درجة ) ، ودرج عصفور ، ودرج منكو ، ودرج البلبيسي ، ودرج الشرعية ، ودرج سينما الأردن .
فضاءات اجتماعية وذاكرة شعبية نابضة :
ولم تقتصر أهمية هذه الممرات على دورها الوظيفي ، بل شكلت مساحات اجتماعية دافئة ونابضة بالحياة ، فعلى عتباتها الحجرية التقى الجيران في تفاصيلهم اليومية ، وتبادل الأهالي التحيات والأخبار ، ولعب الأطفال في أزقة آمنة تعج بروح الألفة المجتمعية والتكافل . كما كانت بيوتها الملاصقة للأدراج تتميز بحدائقها المعلقة وأصص الزهور والورود ، وكانت مقصداً لجلوس النسوة صباحاً واجتماع الرجال مساءً لتبادل الحكايات .
حضور الأدراج في السرديات والأدب الأردني :
وحظيت الأدراج بمكانة رفيعة واستثنائية في وجدان الأدباء والروائيين والشعراء الأردنيين ، حيث شكلت فضاءً إبداعياً غنياً بالدلالات ، فهي في الرواية والأدب المحلي ليست مجرد خلفية مكانية ، بل هي شخوص حية تشارك البطل رحلة الصعود والهبوط ، وتختزن أسرار العشاق ، وذكريات المنفيين ، وحنين العائدين . وكيف لا وهي التي ألهمت الشاعر الكبير حيدر محمود ليوثق حضورها الخالد بقوله : « منذ القرن الماضي / لم أصعد درج الكلحة / لكن حين رآني ، / ناداني باسمي » ، لتظل عتباتها شاهدة على قصص الهوى والذكريات ومناجاة الروح بين الجبال والأودية .
منصات ثقافية ومتنفس للسياحة الحضرية :
واليوم ، تخطت أدرج عَمان دورها التقليدي لترسم مشهداً ثقافياً وفنياً متجدداً ، حيث تحولت بفعل المبادرات المجتمعية والرسمية إلى منصات حية تقدم عليها العروض الموسيقية والمهرجانات للفرق المستقلة ، وزُينت جدرانها ومدرجاتها بالألوان الزاهية واللوحات الفنية والجداريات والشمسيّات الملونة لتغدو مسارات بارزة للسياحة الحضرية تستقطب الزوار وعشاق التراث من كل مكان .
إن أدرج عَمان ببساطتها وعراقتها تبقى سجلاً بصرياً وإنسانياً يروي سيرة الشجر والحجر والبشر ، ويبقى الحفاظ عليها وفاءً لذاكرة المدينة التي لا تنام وحفاظاً على إرثها الإنساني الخالد .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) المؤرخ عمر العرموطي ، ( موسوعة عمان التاريخية : الحاضر والماضي م ) وتصريحاته التوثيقية حول أعداد الدرجات والذاكرة الاجتماعية لأدراج عمان .
- 2 ) الكاتب الصحفي وليد سليمان ، دراساته التوثيقية ومقالاته المنشورة في الصحف المحلية ( الرأي والدستور ) حول أدرج عمان وتشكلاتها الجمالية .
- 3 ) تقرير موقع الجزيرة نت ، ( أدراج عمّان القديمة .. مليون درجة تحكي ذكريات الناس ) ، منشور بتاريخ ٧ كانون الثاني ( يناير ) ٢٠٢٠ م .
- 4 ) مقال موقع حبر ( 7iber ) ، ( أدراج عمّان شرايين جبالها : حضور أدراج المدينة في الأدب الأردني ) ، منشور بتاريخ ٦ أيار ( مايو ) ٢٠٢١ م .
- 5 ) موقع رؤيا الإخباري ، تقرير وثائقي مصور بعنوان : ( أدراج عمان .. سيرة الشجر والحجر وحكايات البشر ) .
- 6 ) المبادرون والمهندسون المعماريون المحليون ، ( مثل المهندس محمد رفيع ، والكاتب يحيى صافي مؤسس منتدى جدل ) حول الأنماط المعمارية وتحويل الأدراج إلى منصات ثقافية وفنية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.